تاريخ

 

 السريان الأرثوذكس

 

البطريريك مار أغناطيوس زكا عيواص

بطريريك انطاكية والرئيس الأعلى للكنيسة الأرثوذكسية
الجامعة في العالم وعضو المجمع العلمي العراقي

تأسيس كنيسة انطاكية :

الكنيسة السريانية الارثوذكسية هي كنيسة انطاكية . تأسست في فجر المسيحية ، يوم كانت انطاكية عاصمة سورية ([1]) واحدى العواصم الثلاث في الدولة الرومانية ([2]) .

دخلت المسيحية مدينة انطاكية على يد بعض تلاميذ السيد المسيح الذين تشتتوا هاربين من اورشليم بسبب الاضطهاد الذي اثاره اليهود ضدهم بعد استشهاد اسطيفانس رئيس الشمامسة حوالي سنة 34 م . كما زارها برنابا احد التلاميذ السبعين ، ثم الرسول بولس حيث مكثا فيها سنة كاملة مبشرين . ونشر فيها الرسو ل بطرس تعاليم الانجيل ، كما اتخذها مقراً لكرسيه الرسولي سنة 37 م على الارجح . ويجعل بعضهم تنصر انطاكية على يد الرسول بطرس على مرحلتين ، الاولى تنصر اليهود وقيام كنيسة مسيحية منهم ([3]) والثانية تنصر الوثنيين من اراميين ويونان وعرب ، بعد البت في قضية كرنيليوس وقبوله في الكنيسة ([4]) . ومن مجرى الحوادث نستنتج ان بطرس الرسول في مجيئه الثاني الى انطاكية ، امتنع عن مخالطة المتنصرين من الامم الوثنية حتى بعد عمادهم خوفا من مسيحيي اورشليم الذين كانوا قد اختصموه في حادثة كرنيليوس . غير ان الرسول بولس قاومه علانية ([5]) . فقد حاول بعض المتنصرين من اليهود أن يلزموا المتنصرين من الامم بان يختتنوا أي ان يتهودوا قبل ان يتنصروا، وعقد مجمع اورشليم سنة 51م للبت في هذه القضية، وقرر المجمع ((الا يثقل على الراجعين الى الله من الامم بل يمتنعوا عن نجاسات الاصنام والزنا والمخنوق والدم)) وارسل هذا القرار الى انطاكية بيد بولس وبرنابا ومعـهما

يهوذا الملقب برسابا وسيلا([6]). ومن هنا نلمس اهمية كنيسة انطاكية في فجر المسيحية .

ويسجل سفر اعمال الرسل غيرة اعضاء كنيسة انطاكية ومحبتهم للاخوة اذ انهم جمعوا صدقة وارسلوها الى فقراء اورشليم بيد برنابا وشاول ، كما ان اتباع السيد المسيح سموا مسيحيين لاول مرة في انطاكية([7]) .

وتغيب بطرس وبولس عن انطاكية لدواعي التبشير ، فأقاما عليها اسقفين هما : افوديوس اسقفا على المسيحيين من الذين من اصل وثني ، واغناطيوس اسقفا على المسيحيين الذين من اصل يهودي([8]) واتحد الطرفان برباط الروح تحت رئاسة اغناطيوس النوراني بعد سنة 68 م فاطلق هذا على الكنيسة انطاكية عبارة الكنيسة الجامعة ، حيث جمعت الختان والغرلة معا ، وهو اول من استعمل هذا الاصطلاح في المسيحية([9]) .

اللغة السريانية في انطاكية :

تعرف اللغة السريانية بالارامية ايضا([10])، فقد كانت قديما لغة الاراميين(6) الذين استوطنوا منذ القرن الخامس عشر قبل الميلاد بلاد ارام الشام وأرام النهرين(7) وانتشرت هذه اللغة في العالم القديم انتشارا واسعاً ، وصارت حروفها حروف هجاء للغات شرقية عديـــدة(8) حتى رأيناها على عهد الملك نابو بلاصر لغة البلاط البابلي ، وجعلت على عهد داريوس الكبير (521 ـ 486 ق.م) اللغة الرسمية بين مقاطعات الأمبراطورية الفارسية(1)، بل امست لغة دولية في الشرق كله زمنا طويلا (2)، وكان اليهود قد تعلموها واستعملوها منذ السبي البابلي في القرن الخامس قبل الميلاد ، بل صارت لغتهم اليومية اذ نسوا العبرية. لذلك تكلم السيد المسيح ورسله بالسريانية (3)، وأستمرت سائدة في قسم كبير من الشعوب الشرقية حتى أواخر القرن السابع للميلاد اذ انتشرت اللغة العربية ، فأخذت السريانية تتقلص رويداً رويداً (4)، ولاتزال لهجاتها محكية حتى اليوم في طور عبدين بتركية ، وقرى الموصل وغيرها في شمال العراق ، وقرية معلولا المجاورة لدمشق في سورية، وأثارها ظاهرة في أسماء مدن وقرن عديدة في الشرق الأوسط ، وفي اللهجات العامية في قسم كبير منه(5). وفي فجر المسيحية كانت اللغة السريانية لغة أهل أنطاكية الأصليين لا سيما القاطنون في ضواحيها كما كانت لغة سائر بلاد سوريا الداخلية(6) وكانت أيضاً لغة اليهود المهاجرين إلى انطاكية. أما اللغة اليونانية فكانت لغة المستعمر (بكسر الميم الثانية) ولغة الجالية اليونانية التي استقدمها السلوقيون(7) .

واستعملت كنيسة انطاكية اللغة السريانية في طقوسها الدينية ، ففيها أقامت خدمة أول قداس(8) كتبه بالسريانية مار يعقوب أخو الرب أسقف أورشليم ، ولا تزال جميع الكنائس السريانية في العالم حتى اليوم تتلوه بالسريانية الى جانب لغاتها المحلية الوطنية . وكتب بها آباؤها مصنفاتهم الدينية والعلمية(1) .

مكانة كنيسة انطاكية الدينية :

تعتبر كنيسة انطاكية اقدم الكنائس المسيحية وأشهرها بعد كنيسة أورشليم، وقد إزدادت أهميتها بعد خراب أورشليم سنة 70م على يد طيطس الروماني. فمنها انطاق التلاميذ الى انحاء العالم المعروفة عصرئذ فنشروا تعاليم الأنجيل، وأسسوا الكنائس والديارات والمدارس، وقام فيهم العلماء الأفذاذ الذين أناروا العالم بالعلوم الدينية والمدنية(2).

ولاباء كنيسة انطاكية السريانية فضل يذكر بالفخر بدراسة الكتاب المقدس بعهديه ، فقد نقلوه الى لغتهم السريانية بنقول منها المعروفة بـ (( البسيطة )) كما نقلوه الى العربية ، والفارسية ، والمليالم ( لغة جنوبي الهند )(3) وتناولوه شرحا وتفسيرا ، وتركوا لنا في ذلك بحوثا مستفيضة تعد مراجع مهمة في هذا المضمار . كما كان لهذه الكنيسة في الماضي الفضل في حمل لواء الأنجيل الى مختلف الأمم كبلاد العرب، وارمينية ، والهند ، والحبشة . وقدمت ألوف الشهداء في سبيل ذلك(4) .

الكرسي الأنطاكي أسسه الرسول بطرس :

أجمع المؤرخون الثقات(5) على جهود الرسول بطرس في انطاكية سورية وتاسيسه فيها كرسيه الرسولي ، كما أسلفنا ، وهو أول أساقفتها أي بطاركتها الذين اليه يتسلسلون . فيقول اوسابيوس القيصري ( المتوفي سنة 340 م) : (( في السنة الرابعة بعد صعود المسيح نادى بطرس بكلمة الرب في أنطاكية العاصمة الكبرى وصار أول أساقفتها ))(6) ويقول أيضا في تاريخه البيعي : (( كما أشتهر اغناطيوس الذي اختير اسقفا لانطاكية خلفا
لبطرس)) (7). وقد خصص هيرونيموس(8) في جدول الأعياد السنوية اليوم الثاني والعشرين من شهر شباط ، ( عيد تأسيس كرسي مار بطرس الرسول في انطاكية ) . ولاتزال الكنيسة الرومانية تحتفل به حتى الآن(1) .

وهكذا صار القديس بطرس الرسول أول بطريرك جلس على هذا الكرسي الرسولي وتعاقب عليه بعده بطاركة عظام جلهم من صدور العلماء .(2)

مقر الكرسي الأنطاكي :

كان مقر الكرسي الانطاكي مدينة انطاكية حتى سنة 518م وبسبب المتاعب الكثيرة التي عانتها الكنيسة ، فقد نقل الى اديرة ما بين النهرين حتى استقر في القرن الثالث عشر في دير الزعفران قرب ماردين في تركيا ، ونقل سنة 1959 الى دمشق .

اسم بطاركة انطاكية :

كان البطاركة عند تنصيبهم تحفظ لهم اسماؤهم الاصلية فلما ارتقى الى الكرسي البطريركي يشوع سنة 878م اتخذ اسم اغناطيوس تيمنا باغناطيوس النوراني الشهيد الذي خلف الرسول بطرس في انطاكية . وحذا حذو البطريرك يشوع اربعة بطاركة بعده ، فلما اعتلى الكرسي البطريركي يوسف بن وهيب مطران ماردين سنة 1293م وهو اغناطيوس الخامس ثبتت هذه العادة من بعده ، ولا تزال حتى اليوم ، وهي ان يسبق اسم المنتخب للكرسي البطريركي اسم مار اغناطيوس .

سلطة الكرسي الأنطاكي وعلاقته بالكراسي الرسولية الأخرى :

نشأ في القرن الأولى للميلاد النظام الكنسي فسمى اسقف المدينة الرئيسة بالمتروبوليت ومعناها اسقف ام المدن أي قاعدة المملكة ، وعن طريق المجامع الاقليمية والمسكونية ربطت الاسقفيات بالمطرانيات وحددت سلطة الكراسي الكبرى المتساوية بالسلطة في انطاكية والاسكندرية ورومية . ثم اضيفت القسطنطينية في مجمع القسطنطينية سنة 381 م الى الكراسي الثلاثة وحازت هذه الكراسي الاربعة مكانة مرموقة لمكانة المدن المذكورة السياسية وموقعها الجغرافي(3) ، واطلق على اسقف كل منها في أواسط القرن الخامس لقب بطريرك ومعناها رئيس الاباء(4) .

ولكل من هذه الكراسي حدود معينة تخضع الكنائس الموجودة فيها لسلطته الدينية عن طريق الكراسي المحلية أي مراكز المطرانيات والاسقفيات .(5)

وقد حدد المجمع النيقاوي سنة 325م في قانونـه الســادس سلطة هذه الكراسي بقولــه:

((فلتحفظ العادة القديمة في مصر وليبيا والمدن الخمس لأن الاسقف الاسكندري يكون له السلطان على كل هؤلاء كما ان اسقف رومية له هذه العادة ايضا ومثل ذلك فلتحفظ الكرامة سالمة ايضا في الكنائس التي في انطاكية وفي الأبرشيات الاخرى)) (1).

الشركة بالايمان وسلطة المجامع :

كانت الكراسي الاربعة رومية والقسطنطينية والاسكندرية وانطاكية واحدة بالعقيدة الدينية ، وفي شركة روحية وكانت هذه الكراسي متساوية في السلطات والامتيازات ، وكان اصحابها عند انتخابهم يبعثون بصورة ايمانهم بعضهم الى بعض لنيل يمين الشركة . ولم تعتبر الشركة بمثابة تنصيب للبطريريك في وظيفته بل كانت فقط شرطا ضروريا لممارسة الوظيفة بطريقة شرعية(2) وحوادث التاريخ تشهد بانه لم يكن لاصحاب هذه الكراسي الاربعة الكبرى حكم اوتونومي(3) وحسب بل هو حكم اوتوكيفالي(4) ايضا . اذ لم يكن لاحدها حكم على الاخر ، ولا يتدخل رئيس بشؤون غيره البتة . كما لم يكن يحق لاسقف ما التدخل بشؤون اسقف اخر ، وكلما اعترضت مشاكل محلية داخلية ، او خلاف بين الاساقفة في الابرشية الواحدة كان يعقد مجمع اقليمي من اساقفة الابرشية برئاسة اسقف الابرشية العام للفصل في هذا الخلاف ، ويعتبر المجمع اعلى من الاسقف بل هو اعلى سلطة في الابرشية الواحدة . واذا ما برزت مشاكل عامة وقضايا ايمانية كبرى كان يعقد مجمع عام او مجمع مسكوني(5) وسلطانه يعلو سلطان الاساقفة كافة بمن فيهم اساقفة الكراسي الاربعة الكبرى . وقوانينه نافذة المفعول في الكنيسة جمعاء ذلك ان اساقفة العالم جميعا يدعون اليه ، ويحصر اغلبهم ، ولا يتغيب منهم احد الا بعذر مشروع فتمثل فيه الكنيسة الجامعة ، ويشترك باعماله اغلب اساقفتها ويقبلون قراراته ، ويعتبر السلطة العليا في الكنيسة(6) .

فلم يكن لاحد الاساقفة حتى اساقفة الكراسي الاربعة الكبرى سلطان على البت في الأحكام والقضايا الايمانية الكبرى منفردا ، بل كان ذلك من حق المجامع . وان تضارب الآراء وتشعب القرارات في المجامع المكانية الاقليمية والعامة في قضية ايمانية تربك الكنيسة الجامعة، وعندما تدرس هذه المسألة في المجمع المسكوني المتوفرة فيه شهادة الكنائس الرسولية يصدر المجمع فيها حكمه فتقبله الكنيسة الجامعة كأنه حكم السماء . وكانت المجامع تعقد لاقامة الحجة على اصالة التعليم الصحيح ودحض الهرطقات ، فدستور الايمان النيقاوي مثلا كان متضمنا في كتابات الاباء بالتفصيل ومقبولا من الكنيسة منذ فجرها ولكن المجمع صاغه بشكل واضح ، والزم قبوله على المؤمنين تحت طائلة الحرم(7) .

انقسام الكراسي الاربعة الكبرى :

في عام 451م انعقد المجمــع الخلقيدوني(1) وادت نتائجـــه الى انقسام الكراســـي الرسولية الأربعة الى قسمين ، ضم القسم الأول كرسي رومية وكرسي القسطنطينية ، وضم القسم الثاني كرسي انطاكية وكرسي الاسكندرية . وقد استمر الكرسيّان الأخيران متحدين بالايمان حتى اليوم ، ولكل منهما رئاسته الخاصة واستقلاله التام كما كان منذ بدء النصرانية . أما الكرسيان الروماني والقسطنطيني فقد انقسما على ذاتهما في القرن الحادي عشر للميلاد .

منطقة الكرسي الانطاكي :

كان للجالس على الكرسي الانطاكي مقام سام في الكنيسة ، وكان سلطانه الديني يمتد من بحر الروم غربا الى اقصى بلاد الفرس والهند شرقا ، ومن حدود اسيا الصغرى شمالا الى تخوم فلسطين جنوبا(2) . وكانت كنيسة انطاكية واحدة ويسوسها كلها بطريرك واحد ، ولم يكن غيره في كل بلاد المشرق(3) التي كانت تشمل بلاد الشام وفلسطين وقليقية وبعض من بلاد اسيا الصغرى وما بين النهرين وبلاد فارس باسرها(4) وسلطانه يشمل جميع المسيحيين في هذه المنطقة على اختلاف قومياتهم واجناسهم ولغاتهم ، وكان للابرشيات الكبرى رؤساء اساقفة وللابرشيات الصغرى اساقفة يتولون ادراتها الروحية وهم تحت طاعته(5) .

مفريانية المشرق :

اطلق على البلاد الواقعة شرقي المملكة الرومانية اسم بلاد المشرق ، وكانت في فجر المسيحية تحت الحكم الفارسي ومنها جاء المجوس الى بيت لحم وسجدوا للرب وقدموا له الهدايا(6) ولما عادوا الى بلادهم اذاعوا فيها بشارة الميلاد . كما كان فيها جاليات يهودية كان قوم منها في اورشليم يوم الخمسين ، ويذكر سفر اعمال الرسل ان اولئك كانوا من الفرثيين والماديين والعيلاميين والساكنين في ما بين النهرين(7) . ولا بد ان الذين امنوا من هؤلاء حملوا معهم مصباح الانجيل الى بلادهم .

ويذكر التاريخ الكنسي ان ادي احد السبعين تلميذا ، ارسله اخوه الرسول توما الى مدينة الرها السريانية عاصمة الاباجرة ، فشفى ملكها ابجر الخامس من برصه ، وتلمذه ، مع أهل المدينة كافة . ثم بشر في آمد ( ديار بكر ) وجنوبي بلاد ارزن ، ووادي دجلة الشرقي وبازبدي ، وجاء الى حدياب ( اربيل )(1) حيث استقر مع رفيقه ماري وواصلا نشر البشارة في هذه البلاد . ويضيف المؤرخون السريان مار ميخائيل الكبير ، وابن العبري ، وابن الصلييي ، ان الرسول توما قد مر بهذه البلاد في طريقه الى الهند . وبشر أهلها . وهكذا انتشرت النصرانية في اطراف بلاد المشرق كافة منذ القرن الأول للميلاد ، وانشأت فيها الكنائس وبعض الأسقفيات . وفي صدر القرن الثالث كثر عدد المراكز الاسقفية وانتظمت تدريجيا حتى تكونت منها رئاسة عامة مقرها المدائن ضمن حدود المنطقة الكنسية الخاضعة للكرسي الرسولي الانطاكي(2) ولقب اسقفها بمطران المشرق او جاثليق المشرق ، وسمي بعدئذ بمفريان(3)  المشرق(4) .

وكان لجاثليق المشرق سلطة عامة على كنائس منطقته متحدا مع البطريرك الانطاكي ، وقدزعزع الوضع السياسي أركان هذا الاتحاد ذلك ان مقر الكرسي الانطاكي كان في اراضي المملكة الرومانية اما بلاد المشرق فكانت خاضعة للحكم الفارسي ، وكانت العداوة متمكنة مابين الفرس والرومان(5) .

وفي سنة 431م حرم مجمع افسس نسطور بطريرك القسطنطينية فتحزب لنسطور عدد من اساقفة سورية ، ومعظم اساتذة مدرسة الرها وتلامذتها ، وانتشرت تعاليمه في بلاد المشرق ولم يسلم منها سوى تكريت وارمينية ، وانقسم السريان من حيث العقيدة الدينية الى قسمين ، ومن جراء ذلك انقسمت اللغة السريانية ايضا من حيث لفظها وقلمها الى قسمين يعرفان بالتقليدين الغربي والشرقي نسبة الى مواطن الشعب الذي كان يزاولهما أي بلاد الشام الغربية ، وبلاد ما بين النهرين الشرقية والعراق واذربيجان . والقسم الشرقي قطع علاقته مع الكرسي الانطاكي ، ويستثنى منه الشعب العراقي الاثوذكسي(6) الذي استمر امينا للكرسي الرسولي الانطاكي وعانى في سبيل ذلك الامرين . ففي سنة 480 وشى برصوما اسقف نصيبين النسطوري بالمؤمنين الاثوذكس في بلاد المشرق لدى فيروز الملك الفارسي ، وقال انهم يتجسسون لحساب المملكة البيزنطية ففتك بالعديد منهم وسفك دماءهم النقية . وبعد موت برصوما ، زار بلاد المشرق خرسطفورس جاثليق الارمن ورسم الراهب كرماي مطرانا على دير ما متى وخوله سلطة رسامة اساقفة كما كان لجثالة المشرق ، ورسم خرسطفورس ايضا الراهب احودامه البدي اسقفا لباعرباي(7).

وفي سنة 559 تفقد مار يعقوب البرادعي كنيسة المشرق ورسم مار احودامه مطرانا عاما

أي جاثليقا عليها ، وعدّ هذا اول مطران عام على المشرق بعد ان استولى النساطرة على كرسيها(1) .

وفي سنة 628م عقد صلح بين المملكتين الفارسية الرومانية فارسل البطريرك أثناسيوس الأول (595ـ631) كاتبه الربان يوحنا الى المشرق فقابل المطران خرسطفورس رئيس دير مار متى وفاتحه بموضوع اعادة العلاقات ما بين الكرسي الانطاكي وكنيسة
المشرق ، فعقد هذا مجمعا حضره الربان يوحنا واربعة من الاساقفة القريبين وانتخبوا ثلاثة رهبان هم ماروثا وايثالاها وآحا واخذوهم الى البطريرك ليرسمهم اساقفة فاعتذر حفظاً للعادة القديمة في كنيسة المشرق ، فقام الاساقفة الشرقيون برسامتهم اساقفة بحضور اساقفة البطريرك . ثم قام البطريرك برسامة ماروثا مطرانا لتكريت وخوله الرئاسة على بلاد المشرق بالنيابة عنه(2) . منه هنا نعلم انه كان لكنيسة المشرق حكم ذاتي ، ولجاثليقها سلطة عامة على ابرشياتها ،  فالجاثليق يرسم اساقفتها ، والبطريرك الانطاكي يرسمه جاثليقا ، كما اننا نرى في التاريخ ان البطريرك الانطاكي يرسم من آباء المجمع الانطاكي باشتراك جاثليق المشرق ، وكثيرا ما حدث شقاق في الكنيسة لمخالفة هذا التقليد .

واطلق على مار ماروثا التكريتي ( المتوفي عام 649م ) اسم مفريان لأول مرة ، وهكذا اخذت المفريانية تتسلسل منذ ذلك الحين . ومما يجدر بالذكر ان ابرشيات المشرق اتسعت ونمت عبر التاريخ حتى انها فاقت ابرشيات الكرسي الانطاكي عددا وشأنا على عهد العلامة مار غريغوريوس يوحنا ابن العبري مفريان المشرق ( 1264 ـ 1286م) كما صرح هو نفسه . ويعتبر ابن العبري من اشهر مفارنة المشرق علما .

وكان مقر الكرسي المفرياني في بدء الأمر في تكريت ، وظل فيها حتى سنة 1089 م فرحل المفارنة بعد ذلك ا لى الموصل ثم اعيد المقر الى تكريت ثانية حتى سنة 1152م اذ انتقل الى دير ما متى واحيانا الى برطلة قرب الموصل ثم الموصل .

وكانت العادة قديما عند ارتقاء المفريان الى الكرسي ان يحفظ له اسمه الاسقفي ، ومنذ القرن السادس عشر اصطلح على تسميته بباسيليوس مضافا الى اسم المفريان الشخصي .

وقد الغيت رتبة المفريانية سنة 1860 بقرار مجمعي بعد وفاة المفريان مار باسيليوس بهنام الرابع الموصلي .

استئناف رتبة المفريانية :

في 21 آيار سنة 1964 استئنفت رتبة المفريانية وصار مقرها في الهند وذلك بقرار من مجمع كوطيم ، في جنوب الهند ، الذي عقد برئاسة البطريرك مار اغناطيوس يعقوب الثالث ، وعضوية مطارنة السريان في الهند والمطارنة الثلاثة الذين رافقوا قداسته من الشرق الأوسط ، وكان كاتب هذه السطور احدهم ، وقرر المجمع على ان تكون الهند وشرقيها المنطقة التي يرأسها المفريان(3) ومفريان الهند اليوم هو غبطة مار باسيليوس بولس ، والمفريان ينتخب من المجمع المقدس في الهند ويرسمه قداسة البطريرك . وهو يمثل الكنيسة السريانية في الهند بالاشتراك بمجمع انتخاب البطريرك ورسامته .

انقسامات في الكرسي الانطاكي :

طرأت على الكرسي الانطاكي عبر التاريخ حوادث مؤلمة قسمت اتباعه الى فرق عديدة واضعفته ، ولا بد لنا في هذه العجالة من ان نلم ببعض هذه الحوادث .

فمنذ سنة 330م والى سنة 360 م اغتصب الكرسي ستة اريوسيين ، ثم تبوأه القديس ملاطيوس الى سنة 381م ثم فلابيانس الأول وفي عهدهما رأس فئة ارثوذكسية الاسقف بولينوس ثم اوغريوس (362 ـ 394) وفي اثناء نفي ملاطيوس قام دخيلان اريوسيان وزعيم شرذمة ابو لينارية(1) ودام هذا الشقاق حتى سنة 412م فلما اعتلى مار الكسندروس الكرسي وحّد صفوف الاثوذكسيين .

أما الإنقسامات التي مزقت جسم الكنيسة السريانية وشعبها الى فرق عديدة وكنائس شتى فهي كالآتي :

في سنة 431م شجب مجمع افسس تعليم نسطور بطريرك القسطنطينية الذي زعم بأن السيد المسيح هو اقنومان وطبيعتان . وتحزب له يوحنا بطريرك انطاكية وحذا حذو هذا خلفه دمنوس وهو ابن شقيقته . غير ان مجمع افسس الثاني 449م حطه من رتبته وأقام بدلا منه مكسيموس . ولاقت تعاليم نسطور قبولا لدى بعض السريان في المملكة الفارسية واطراف سورية وفلسطين وجزيرة قبرص ، فتألفت منه كنيسة انسلخت من الكرسي الانطاكي سنة 498م واقامت لها رئيسا اطلق على نفسه لقب ( جاثليق ) وكان أول جاثليق اسمه باباي وجعل مقره في سلوقية القريبة من المدائن كما مر بنا ونقل مقره سنة 762م الى بغداد وفي أوائل القرن الخامس عشر نقلوه الى القوش وسنة 1561م الى أرمية(2) .

ولما انقسمت الكراسي الاربعة الكبرى الى اثنين كما مر بنا على اثر مجمع خلقيدونية عام 451م ، عمت الفوض النظام الكنسي وبدأ التدخل في الأبرشيات بطريقة لا شرعية ، واعتبر الاصطياد في الماء العكر مكسبا عظيما ، واستطاع الكرسي الروماني ان يكسب مطرانا نسطوريا هو طيمثاوس مطران قبرص الذي انضم الى الكنيسة الكاثوليكية سنة 1445م مع فئة من كنيسته السابقة فاعلن البابا الروماني اوجانيوس الرابع بانه (( لا يجوز من الآن فصاعدا ان يعامل هؤلاء السريان الراجعون من النسطرة كهراطقة ، ويجب ان يسموا بعد اليوم كلدانا ))(3) وسنة 1450م عاد هؤلاء الى كنيستهم الأولى . وعلى أثر الخلاف الشديد الذي جرى في كنيستهم الأولى بسبب بطريركها عقد مجمع في الموصل وانسلخ عن شمعون قسم كبير من الشعب انضموا الى الكرسي الروماني سنة 1553م ورسم لهم البابا يوليوس الثالث بطريركاً هو يوحنا هو يوحنا سولاقا ، ولم يثبت هذا الانسلاخ طويلا اذ ان البطريرك يوحنا سولاقا قتلا سنة 1555م وقطعت العلاقة مع الكرسي الروماني ثم توحدت الرئاسة سنة 1830م في عهد البطريرك يوحنا هرمزد ، اذا كان البابا لاون الثاني عشر قد ابطل سنة 1827 تمييز بطريركية آمد من بطريركية بابل ، واقتصر على بطريرك واحد يجلــس في الموصل ويدعى بطريـرك بابــل . ونصب في أواسـط القـــرن

التاسع عشر البطريرك يوسف أودو(1) ويتصف بمحبة الكنيسة الشرقية وتقاليدها