القضية الكردية
أول من طالب بالاعتراف بالقومية الكردية
من ذكريات المجلس النيباي لسنة 1945(1)
لقد كنت اعتقد أن هناك ـ بالاضافة الى سوء الادارة وبالاضافة الى الحاجة الماسة إلى الاصلاح والعلاج الجذريين ـ هناك مشكلة كردية يجب البحث فيها من الأساس ، وفي تلك المناسبة القيت خطاباً مطولاً أرى من المناسب أن أذكره بنصه لأهميته البالغة ، ولأني تنبأت منذ ذلك الحين ، بالتطورات الخطيرة التي تحققت فيما بعد ، وطالبت بمعالجة المشكلة معالجة علمية إيجابية .
عبد الكريم الازري ـ العمارة(1)
سادتي : كنت من الموافقين في اللجنة المالية على هذه اللائحة ، اعتقاداً مني بان قمع هذه الحركة العصيانية أمر لا بد منه . وكنت آمل أن ينتهز زملائي النواب هذه اللائحة فرصة للبحث بشكل إيجابي في هذا الموضوع الخطير ن لا أن يكون مجرد مجال للانتقاد السلبي . وما أقصد بالبحث الإيجابي ؟ بالطبع ان قمع الحركة العصيانية هو عمل سلبي ، فإذا لم تعالج الأسباب التي أدت الى هذه الحركة ، والتي لا يمكن لأحد أن يعتبرها ناشئة عنعامل واحد ، بل هي حركة معقدة ، ناشئة عن عوامل عديدة ، بقيت المشاكل مستمرة ، لا شك أن هناك روح تمرد في الموضوع ، ولا شك أن هناك سوء ادارة ، ولاش ك ايضاً ا، هناك عوامل أخرى ، وهذه الحركة ، ككل حركة أخرى يجب أن ندرسها من جميع نواحيها .
سادتي : إن الأساس الذي تقوم عليه الدولة العراقية لا يرتكز على قومية واحدة ، بل يقوم على قوميتين على الأقل ، وقوميات أخرى صغيرة ، وليست الدولة العراقية هي الدولة الوحيدة التي تجابه هذه المشكلة . هناك دولة كثيرة تعاني من مثل هذه المشكلة ، هناك الدولة السويسرية ، وهناك الدولة الكندية ، وهناك دولة بريطانية ، وهناك دول أخرى كثيرة قائمة على قوميات متعددة . كيف عالجت هذه الدولة مشكلة القوميات المتعددة المزدوجة أو المثلثة ؟ هذا الموضوع يجب أن نبحثه بشكل علمي إيجابي . كيف تمكنت سويسرة المؤلفة من ثلاثة قوميات أو عناصر ـ الألمانية والافرنسية والإيطالية ـ أن تحل المشكلة وتزدهر وتدوم ؟ وكيف تمكن العنصر الانكليزي ، والعنصر الفرنسي ـ أن يعيشا سوية في كندا ولا ينبغي الفرنسي في كند أن يلتحق بفرنسا أو يستقل ؟ هذا هو الموضوع الرئيسي الذي يجب أن نعالجه ، خاصة إذا علمنا أن وراء هذه المشكلة ، في هذا اليوم ـ كما أشار إلى ذلك النائب المحترم سالم نامق ـ تعقدات دولية ، فهذا الموضوع يجب اني درس إيجابياً وبروح علمية مجردة بعيدة عن العاطفة .
سادتي : قبل سنتين ، عندما حدثت المشكلة ، وتقدمنا الى رئيس الوزارء فخامة نوري السعيد سالأناه هل ان هذه الحركة مجرد عصيان ، أو سوء إدارة ، أم أن هناك وراءها بواعث أخرى ؟ أجابنا أنه سيتدارس المشكلة ، ويقدم إلى هذا المجلس تقريراً وفي ضوئه يعقد المجلس جلسة سرية للمناقشة . وبعد عشرة أيام من اعطائه هذا الوعد استقالت الوزارة التي كان يرأسها نوري السعيد . وقد علمت أن اللجنة التي ألفها والتي أرسلت لدرس الموضوع لم تكن تملك المؤهلات ولم تكن من العيار القادر على البحث في جوهر الموضوع ، وإنما كانت لجنة للبحث في التطورات البسيطة لحادث العصيان المسلح ، أما ما هي أسباب هذا العصيان ، وما هي منطوياته وبواعثه ، الى غير ذلك ، فلا أعتقد انها كانت موضوع بحث في تقرير اللجنة ، وبقي الموضوع لحد الآن غير مدروس لا بهذه الروح ولا بنظرة فلسفية تاريخية واسعة .
أود أن أتخذ من هذه اللائحة فرصة لمطالبة الحكومة بأن تدرس القضية بشكل إيجابي ، لأنها تخص كيان المملكة في الصميم ، فهذه القضية يجب أن لا تترك لدراسات سطحية تقتصر على تفرعات الحوداث العصيانية ، وعلى البحوث الإدارية وغيرها التي لا تمس جوهر الموضوع ، مثلاً اصدروا العفو وكان عليهم أن لا يصدروه ، أو ا،هم لم يتخذوا الاجراءات الكافية في الوقت المناسب ، ولم يقيدوا الملا مصطفى في منطقة معينة ، بل تركوه وشأنه يجوب انحاء المنطقة الكردية ، هذه وغيرها من النقاط كلها ثانوية ، ويجب ا، لا تلهينا عن جوهر الموضوع ، يجب أن نقول لأخواننا الأكراد باءنا لا نريد منكم ا، تكونواعرباً ـ لا نريد أن نجعل منكم عرباً ولا نريد الإساءة إليكم ، بل نقول لهم أن هذه الدولة قائمة على قوميتين ( وقوميات صغيرة أخرى ) وكل قومية تحترم أختها الأخرى . اننا لا نريد من الكراد أن يكونوا عرباً كما لا نريد من العرب أن يكونوا أكراداً . ولا تريد أحدى القوميتين السوء بالأخرى . إنما القوميتان تتعايشان وتتعاونان في وطن واحد وتربطهما مصلحة واحدة ، نريد من العرب أن يبقوا عرباً لتزدهر قوميتهم ولغتهم وحضارتهم ويرتبطوا بكيانهم مع اخوانهم العرب في الأقطار العربية الأخرى ولا نريد من اتجاهنا هذا ا، نستغل أو نستعمر القومية الكردية . كلا انما نريدها هي الأخرى أن تزدهر أيضاً .
بقيت هناك نقطة تعرض لها الزملاء وهي تبسيط الموضوع بشكل لا يقبله العقل ولا المنطق ، لقد قال بعض الزملاء أنه لا توجد مشاكل ، وإنما هناك أشخاص يثيرون المشاكل ، سعياً وراء كراسي الحكم ، وإن هناك مجرد سوء حكم عام ، شامل ، ويجب أن تعالج القضايا على هذا الأساس ، فانا أسال هل هذا صحيح ؟ هل هذه القضايا أو المشاكل لا وجود لها ؟ هل هي مخلوقة من بعض الأشخاص ، أعني أنهم يخلقونها سعياً وراء الحكم ؟ أني أقول وأصر ، أن المشاكل موجودة ، ويجب أن تحل وفق العقل والمنطق والعدل ، وأؤكد لكم ، لو لم تكن هذه المشاكل موجودة لما تمكن أي شخص مهما كانت شهيته قوية للحكم أن يخلقها ( أي المشاكل ) .
لقد أجاب وزير الداخلية وقتئذ ـ السيد مصطفى العمري على ملاحظات جميع النواب ولكنه أهمل أو غض النظر عن الجواب على ملاحظاتي التي تخص جوهر الموضوع ، وأعتقد أن تفكير مصطفى العمر الخبير الإداري لم يكن مستعداً لتقبل الملاحظات التي ابديتها ، لقد نشأ وتدرج في الوظائف الإدارية من مدير ناحية ، إلى قائمقام ، إلى متصرف ، حتى أصبح وزيراً للداخلية ، ثم رئيساً للوزراء ، وعضواً في مجلس الأعيان ، وقد اعتبر هذا الموضوع مجرد حركة عصيانية مسلحة يجب أن تعالج إدارياً على هذا الأساس . أما الآراء التي أبديتها فلم يكن ليعيرها أي اهتمام .
وعندما سمحت الحكومة ، في وزارة توفيق السويدي الثانية ، بتأليف الأحزاب السياسية ، وتألف الحزب الوطني الديموقراطي وكنت أحد مؤسسيه ، كما كنت أحد الذي أشتغلوا في وضع منهج الحزب ، كنت أنا الذي وضعت عبارة " ان العراق ميدان للتعاون الحر على أساس المصلحة المشتركة بينالعرب والأكراد وغيرهم من العناصر التي يتكوّن منها العراقيون ، يحترم كل منها الآخر ، في جو تسود فيه الحرية والمساواة والعدل " . وكان ذلك انسجاماً وانطلاقاً من الرأي الذي كنت قد ابديته في الخطاب الذي ألقيته في الجلسة الحادية عشرة من الاجتماع الاعتيادي لمجلس النواب المنعقد في 9 كانون الثاني 1946 ، أي قبل ثلاثة وثمانين يوماً من تاريخ أجازة تأسيس الحزب الوطني الديمقراطي ، ولحد هذه الساعة لا يعرف إلا القليل أن واضع هذه العبارة وصائغها في منهج الحزب الوطني الديموقراطي هو كاتب هذا الكتاب ، وليس كامل الجادرجي .
(1) ـ من محضر الجلسة الحادية عشر ة من الاجتماع الاعتيادي لمجلس النواب سنة 1945 ، تقرير لجنة الشؤون المالية في مرسوم لإضافة مبالغ الى ميزانية السنة 1945 المالية رقم 3 سنة 1945 .
(3) محضر الجلسة الحادية عشرة من الاجتماع الاعتيادي لمجلس النواب سنة 1945 صفحة 79 .
(1) ـ محضر الجلسة الحادية عشرة من الاجتماع العادي لمجلس النواب سنة 1945 لصفحة 81 .