صفحات من تاريخ الحزب القومي الديموقراطي

 

 

    الحزب القومي الديمقراطي هو حزب عراقي يؤمن بكون العراق كان ولايزال ، تاريخيا وثقافياً ، جزء لايتجزأ من الوطن العربي الكبير ، وعلى ارض العراق تفاعلت الحضارة العربية الاسلامية بشكل فعال  ، وساهم العراقيون بشكل استثنائي في تشكيل العقل العربي ، والثقافة العربية ، وتكوين الشخصية العربية بسماتها التي هي عليها الان ، فمن مدنه التاريخية الكبرى ، الكوفة والبصرة وبغداد نشأت المدارس الفكرية العربية _ الاسلامي، بالشكل الذي نراها عليه الان ، وكل من الكوفة وبغداد وسامراء كانت عواصم عربية مزدهرة ، لدول عظمى ، اسهمت كما هي دمشق والقاهرة والقيروان (تونس) في الحفاظ على الهوية العربية والثقافة العربية . كما اسهم العراقيين والمسلمين في تطوير  اللغة العربية ، وصياغة قواعدها النحوية المعروفة الان ، بالمدرستين الكوفية والبصرية .

يعمل الحزب القومي الديمقراطي على تحرير العراق والبلاد العربية ، بالتعاون مع القوى القومية الاخرى ،  وتحرير الارادة العربية من النفوذ الاجنبي ، اقتصادياً وسياسياً ، وثقافيا ، والعمل على تكوين اتحاد اقتصادي عربي على شاكلة الاتحاد الاوربي ، والتكتلات الاقتصادية الاخرى، من اجل تحقيق رفاهية وحرية الانسان العربي ، ودفعه  للمساهمة  في مسيرة الحضارة العالمية ، وتطويرها لصالح عموم البشرية ، وانقاذ الانسان من استغلال وجشع اخيه الانسان .

 

النشأة والتطور التاريخي:

 

لم يكن الحزب القومي العربي ابن اللحظة التاريخية الحالية، او الظرف الذي يعيشه العراق الان ، ولم يتشكل كانعكاس لحمى تشكيًل الاحزاب التي ظهرت بين بعض العراقيين بعد سقوط النظام الدكتاتوري المقيت . بل هو امتداد تاريخي لمسيرة طويلة ، ومخاض تجربة نضالية مريرة ، عاشها مناضلي تيار رئيسي من تيارات الحركة الناصرية في العراق .ومنذ نشوء وظهور الحركة الناصرية في اواخر الخمسينات وبداية ستينات القرن الماضي ، كحركة سياسية تمحورت نشاطاتها حول اطروحات وسلوكيات القائد العظيم الراحل جمال عبد الناصر ، وظهور توجهاته الرامية لتعبئة الطاقات العربية ووضعها بخدمة اهداف امتنا العربية المجيدة .

تلك الدعوات والتوجهات التي استجاب لها جميع المناضلين العرب في مختلف الاقطار العربية، وتبنوها كمنار لضبط مسارات جهودهم النضالية في سبيل تحقيق التحرر والاستقلال ، والارتقاء بالامة العربية لتاخذ دورها في حركة التطور الحضاري العالمي ، وتسهم بشكل فعال في تطور هذه الحضارة ، وارساء الاسس السليمة للتعايش السلمي بين الامم على اساس المودة والتفاهم الكفيلان بضمان حقوق جميع شعوب العالم وسكان الكرة الارضية ، ومنع استغلال امة واحدة او مجموعة صغيرة من الامم لسائر الامم والشعوب .

كان المعلم الاول الشهيد فؤاد الركابي من أوائل  المناضلين القوميين الذين استجابوا لهذه الدعوات الناصرية الخيرة . فشكل مع المرحوم المناضل عبد الله الريماوي ماسُمي في حينها ب "القيادة الثورية لحزب البعث العربي الاشتراكي" الا أن خيانة حزب البعث لشعاراته والاهداف القومية التي يرفعها ، كما اتضح في موقفه من الوحدة الثلاثية ، اضافة لفهم هذين الرائدين من رواد الحركة الناصرية الى ضرورة اخذ بعض السمات السياسية لكل قطر بنظر الاعتبار ، دفعهما لاعتماد صيغة جديدة في العمل تعطي السمات القطرية  اهميتها ضمن الاطار القومي العام.

فتشكلت في كل من العراق والاردن حركتين مستقلتين في اطرهما التنظيمية ، باسم " حركة الوحدويين الاشتراكين"، التي اندمجت فيما   بعد في العراق  مع بعض التيارات والشخصيات الناصرية الاخرى لتعمل تحت اسم الحركة الاشتراكية العربية.

حققت الحركة الاشتراكية العربية كثير من الانجازات ونجحت في نشر الوعي القومي العربي بين جماهير واسعة من ابناء شعبنا العراقي ، وحققت الكثير من النجاحات الكبيرة والفوز بالانتخابات للارتقاء لقيادة الكثير من النقابات والجمعيات المهنية، كنقابات العمال في القطاعات الانتاجية المختلفة ونقابات المعلمين وغيرهما ، كما كان لها تواجدها الفعال في الجيش والشرطة، والجامعات وعموم ثانويات القطر. وكانت تنتزع الفرص الواحدة بعد الاخرى لفرض الصيغ الديمقراطية على الرئيس السابق ( عبد الرحمن عارف ) لتأكدها من امكانية ان تكون الخيار الاول للشعب العراقي في اي انتخابات حرة سليمة. الا انه وفي ذروة هذه النجاحات، ظهرت فجأة نزعات الطفولة اليسارية المحكومة بتغليب المصالح الشخصية على المبادئ، فأعلنت بعض الجماعات المحسوبة على حركة القوميين العرب، سابقا، انشقاقها على الحركة الاشتراكية العربية، بعد نكسة حزيران 1967 مباشرة، مدعية ان النكسة التي عانى منها العرب نتيجة لتحالف قوى الامبريالية العالمية مع الحركة الصهيونية، ماهي في ادعاءاتهم الا نتيجة لتخلف الفكر القومي العربي، وتبنى المنشقون الايديولوجية الماركسية- اللينينية، باعتبار ان ذلك هو الحل  الوحيد لتجاوز النكسة.

بقدر ما ادى الانشقاق الى اضعاف وتمزيق التيار القومي وعرقلة مسيرته،  بما اثاره من عوامل الاحباط والخيبة عند جماهيره العريضة، فأن هذا الانشقاق ليس فقط لم يحقق ولا خطوة ايجابية واحدة في سبيل تحقيق اهداف مرحلة الثورة الوطنية الديمقراطية، بل لم يستطع حتى الحفاظ على لحمته التنظيمية ، فانشق المنشقون لعدة تنظيمات بلغ بعضها من الصغر بحيث لم يتجاوز عدد اصابع اليد الواحدة. وتلاشى معضمها ولم يبقى لها من تاثير على الساحة لولا رغبة بعض دول الجوار العربي وبعض التنظيمات السياسية العراقية لاستخدام بعض الاسماء والعناوين السياسية للتدخل بالشان العراقي لاسباب خاصة بحكومات تلك الدول وتطلعات تلك التنظيمات لاستيعاب التيار القومي العربي في العراقي وتوجيهه لصالح اهدافها .

في صيف 1970 ، وبعد الضربات القاسية التي وجهها نظام البكر – صدام للتيار القومي العربي، تنادت كوادر واعضاء التيارات القومية المختلفة لضرورة تشكيل اطار سياسي تنظيمي جديد يتناسب ومتطلبات المرحلة التي يمر بها العراق ، ولمقارعة القمع والطغيان الذي سلطهما نظام البكر–  صدام على الشعب العراقي ، وتم الاتفاق والتوصل الىضرورة ان يتابع القوميين الناصريين  مسيرتهم باسم "الحزب الاشتراكي العربي الموحد" وتم ، وبالاجماع ، اختيار الشهيد البطل فؤاد الركابي امينا عاما للحزب ، والاخ فالح راضي عبد الجبار نائبا للامين العام ، واختيار قيادة من خمسة اعضاء اخرين ، وقيادة ظل اخرى ضمت خمسة اخرين من نشطاء كوادر الحزب .

تولى الشهيد البطل فؤاد الركابي صياغة الاسس النظرية والايديولوجية للحزب، وكان يوجه نشاطات التنظيم بدقة وحرص من داخل السجن في بعقوبة . الامر الذي ارعب سلطات القمع الدكتاتوي ، فقامت بقتل المرحوم الشهيد في السجن ، واعتقلت مجموعة كبيرة من اعضاءه بما فيهم اعضاء القيادة وبعض الكوادر النشطة ، واضطر بعضهم للخروج من العراق لمواصلة نشاطاتهم النضالية من هناك .

تم الاتفاق على اثر هذه الضربة على تجميد نشاطات التيار لحماية حياة رفاقنا وللحفاظ على جوهره وروحيته ، خاصة وان الحزب لازال يعاني من مشكلات التاسيس تحت ظروف القمع والسرية ، ولم يستطع بعد من اعداد وتنظيم قواه بما يكفي لمواجهةحملة الاضطهاد والقمع الشرسة ، فكان التجميد هو الخيار الاسلم .  

في أواخر عام 1982، شكل بعض من أعضاء التيار في خارج العراق الحركة القومية الديمقراطية، التي تعرضت لمضايقات و قمع بعض الأجهزة التسلطية العربية. و نظراً لصعوبات العمل في الخارج تم الاتفاق فيما بعد على تجميد نشاطات الحركة القومية الديمقراطية، اعتباراً من شهر حزيران 1986.

بعد سقوط الدكتاتورية المقيتة، و ما تلاها من احتلال مباشر للعراق، و بعد المباحثات و النقاش بين كوادر التيار واعضاؤه على ضرورة العودة للعمل المنظم، للمساهمة في تحرير بلدنا العراق من الاحتلال، و تحقيق تطلعات شعبنا العراق في الاستقلال، و بناء الأطر السليمة للادارة والحكم. و على أساس رغبة  وارادة الشعب للخلص من  الاحتلال وتبعاته .

فكان الاتفاق على العودة للعمل التنظيمي، و بناء و تطوير عمل الحركة بما يتناسب و متطلبات المرحلة الحالية، والارتقاء بفعل الحركة واسسها الفكرية، بفعالية  وجدية، والانتقال من العمل الحركي للعمل الحزبي المنظم   والمتماسك.

يفخر مناضلي الحزب القومي الديمقراطي، بأنهم كانوا في طليعة المتصدين للنظام الدكتاتوري، ومنذ ارتقاءه للسلطة  و تحملوا كافة الاعياء التي فرضتها عليهم وظيفة مقارعة الدكتاتورية، دون تقديم أية تنازلات، بل باصرار و عناد نضالي يشهد له التاريخ.

الحزب القومي الديمقراطي

الامانة العامة

بغداد   10 / نيسان /2004