ذكرياتي مع الدكتور المخزومي
الدكتور صلاح الفرطوسي
في أمسية من أماسي شتاء 1992م كانت مجموعة من أساتذة الجامعة العراقية في زيارة للدكتور المخزومي تغمده الله بواسع رحمته, و لابد أن يدور الحديث في الغالب عند زيارته عن إمام العربية وعبقريها الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت175هـ) , وفي أثناء الزيارة سأل أحدهم الشيخ عن مسألة من مسائل الخليل, فوضع يده على خدِّه كأنه يفكر بالإجابة, وطال صمته, ولا أحد من الزوار يجرؤ على تكرار السؤال, فكلهم من تلاميذه, وله هيبة خاصة في نفوسهم, ولكن صمته تجاوز المألوف, فكرر السائل سؤاله غير أن الشيخ لم ينبس بينت شفة إذ انتقل إلى جوار ربه.
هكذا فجأة بعد حياة حافلة بالأحاث تجاوزت السبعين, وكأنـها ميتة تذكرنا بميتة سيدنا سليمان عليه السلام.
كانت نكبتي العلمية بوفاته لا تعدلها نكبة,إذ كانت بيننا من الذكريات ما يدعو إلى التنويه و التأمل بسبب أهميتها في دروس الاختلاف في الرأي, وتخليدًا لذكراه ,وشحت الجزء الثاني من كتابي (مختصر العين لأبي بكر الزبيدي تحقيق وتقديم) , بإهداء للرجل أسمح لنفسي بنقله لك ( الشيخ نحاة عصره فقيد العربية ومحبيها مهدي المخزومي رحمه الله).
وأزعم أن الجامعة العراقية لم تشهد منذ تأسيسها وحتى الآن أستاذًا بهيبته ومنزلته العلمية, كما أن مؤسساتها الثقافية لم تعرف رسالة علمية بشهرة رسالته (مدرسة الكوفة ومنهجها في دراسة اللغة و النحو) ولعلها واحدة من أشهر خمس رسائل صدرت عن الجامعات العربية.
أما كتبه فأكتفي أن أنقل لك ما قاله عنها مصطفى السقا رحمه الله: ( تمتاز كتب الدكتور المخزومي عامة, نظرية أو تطبيقية, بعمق البحث ووضوح المنهج, وسهولة الترتيب, والاعتماد على آراء أئمة النحو و استخلاص أهم العناصر والآراء التي تصلح لإقامة النحو الحديث على أصول علمية واضحة خالية من التأثر بالفلسفة و المنطق).
كان طلابه الذين انتشروا في الآفاق يذكرون تفاصيل عن سيرته في التدريس و الحياة, هي محل تندرهم في بعض الأحيان , ويتحدثون عن غزارة علمه, وتضعه موضع الدهشة بين طلابه وبين أبناء جيله, والجيل الذي تلاه.
وكما اتفقت الأجيال على عبقرية الخليل, فان جيله لم يختلف على ألمعِيته وغزارة علمه, إذ كان مدرسة تدفع على غبطة من انتسب إليها, وأنت _ وفقك الله _ لا تجد كتابًا في اللغة أو النحو صدر في المشرق أو المغرب في أثناء الأربعين سنة الماضية يخلو من إحالهٍ على أحد كتبه, ولا سيما كتابيه عن الكوفة و الخليل.
كان تأثر الشيخ بالخليل وإعجابه به قد دفعه إلى رهن جل حياته بكل أطوارها لدراسة علم الخليل, ولم يكتف بذلك بل ورَّثه لجيل من طلابه ومريده أزعم أني واحد منهم.
وأنت تتذكر نهضة النَّشر التي شهدها العراق في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات, إذ كانت مثار سعادة المثقف العربي من البحر إلى البحر, ولا سيما من أدركته حرفة الفقر منهم, وهم كثر, وكأن تلك النهضة كانت امتدادًا لنهضة النشر التي شهدتهـا مصر عبد الناصر رحمه الله.
كانت الكتب التي تحال على المخزومي خبيًرا تنال حظها من الرفض أو القبول ولكن حصة المرفوض منها أكثر من حصة المقبول بكثير, إذ ليس لأي كتاب يحال عليه من شفيع مهما بلغت منزلة صاحبه أو صلته بالشيخ إلا قيمته العلمية, لذا فإن كثيًرا من الباحثين ما كانوا يرغبون بإحالة كتبهم عليه.
ومن حسن الطالع أن إدارة الشؤون الثقافية قد أحالت عليه سنة 1979 م كتابي المسوم بـ ( المثلث لابن السيد البطليوسي تحقيق ودراسة), وبعد أن راودني اليأس من موافقته على نشره_ بسبب طول المدة التي قضاها الكتاب عنده و تهيب القائمين على النشر بمراجعته, وحرصي على عدم إشعاره بعلمي بإحالة الكتاب عليه خبيًرا _ وصل تقريره, وكان بمنتهى البهاء, بل كان مثار نرجسية لي في حينها, إذ كنت أغتنم أية مناسبة لإطلاع زملائي عليه.
كنت ألتقيه لمامُا في كلية الآداب, ولم يكن اللقاء طويلا في الغالب , ثم أحيل الرجل على المعاش بطريقة فجَّة, وهو في أوج عطائه الفكري , بل كانت موضع أسف وتساؤل الوسط الثقافي في داخل العراق و خارجه, وقبل أن يحال كان الجزء الأول من كتاب العين للخيل بن أحمد قد صدر بتحقيقه بالاشتراك مع زميله أستاذنا الدكتور إبراهيم السامرئي أطال الله في عمره وحفظه, وكم كانت فرحتي غامرة حينما قدم لي الشيخ نسخة من الجزء الأول موشحة بإهداء غاية في اللطف.
وباعدت بيننا الأيام, وكنت قد انصرفت إلى دائرة الخليل, وعكفت يوم أوفدتني جامعة بغداد للتدريس بكلية الآداب بالمحروسة فاس على تحقيق كتاب مختصر العين لأبي بكر الزبيدي (ت 379 هـ)، وفي سنة 1987م نشر لي المجمع العملي العراقي مقالة بعنوان ( محاولة جديدة في دراسة كتاب العين), ثم نشر لي مقالة أخرى بعنوان ( علاقة مختصر العين لأبي بكر الزبدي بكتاب العين) , وقد مسَّت المقالة الأولى أمرين الأول: يتعلق بالنسخ التي اعتمد المحققان عليها في التحقيق , والثاني: يتعلق بنصوص كثيرة تنسب لكتاب العين في مصادر المحققين و لا أثر لها في مطبوع العين, أما المقالة الثانية فقد تعارضت تمامًا مع وجهة نظر المخزومي الذي كان يرى أن مختصر الزبيدي هو اختصار بالمعنى الدقيق لكتاب العين, وهو أمر كنت أرى خلافة بأدلَّة لا يرقى الشك من وجهة نظري إليها.
ويوم صدر الجزء الأول من المختصر 1991م بتحقيقي مع دراسة مناسبة قمت بزيارة الشيخ في داره, وقدمت له نسخة من الكتاب موشحة بكلمة يستحقها وهي ( لأستاذ الجيل مهدي المخزومي مع التحية والتقدير).
استقبلني الرجل استقبالا مشوبًا بكثير من العتاب, و تذاكرنا زمانًا غابرًا يوم كان فيه عميدًا لكلية الآداب بجامعة بغداد, ورئيسًا لقسم اللغة العربية فيها، ورئيسا لقسم اللغة العربية بجامعة الرياض, ثم تحدثنا عن حاضر غريب, وتشوفنا مستقبلاً مرعبًا للبلاد يجني شعبنا ثماره منذ أكثر من عقد من الزمان, ثم أعلمني رحمه الله بأنه قد أعاد تحقيق كتاب العين كاملاً بسبب هنات الطبعة الأولى وسقطاتـها, ويومها كانت شقة الخلاف بينه وبين زميله الدكتور السامرائي قد اتسعت حتى صعب إصلاح ذات البين بينهما.
بعد شهر أو يزيد من هذه الزيارة التقاني أخي الدكتور زهير غازي زاهد , وأشار علي بزيارة المخزومي لأنه قد سأل عني, فذهبت لزيارته مطمئنا خالي البال, ولكن الرجل استقبلني بجفوة أحسستها من باب الدار, وما أن استقر بي المقام حتى أبدى استغرابه من الزيارة, فلملمتُ نفسي, وقلت له: إنـها بناء على طلبك إذ أشار عليَّ بها تلميذك زهير, وشيئا فشيئا جرَّنا الحديث إلى الخليل والعين ومختصره, وإذا الجلسة تتحول إلى عاصفة وهجوم من الشيخ لا حدود له, فيها من الوعيد ما يدعو إلى الصدمة, إذ لم أتوقعه_ و لا أخفيك سرَّا فقد شعرت بسرِّ ثورة الشيخ, لأن دراسة المختصر وهوامش التحقيق تعرضت من طرف خفي لا يخفى على المخزومي لكتاب العين تحقيقًا ومنهجا في التحقيق_ وبسبب من عنف ثورته كاد يخرجني عن واجبات الأدب, ولا سيما بعد أن قال لي: سأنسف كتابك نسفا وأجعلك عبرة لمن اعتبر, وقتها قلت له: سيكون ذلك أعظم يوم بالنسبة لي, ولعلي أسمعته ما لا يحب, ولكن بالحدود التي تسمح بها آداب اللياقة, على أني أتذكر جيدا أني قلت له: قد تسمح لك أستاذيتك لطلابك أن تعاملهم بمثل هذه اللغة, و لكنها لا تسمح لك بمعاملتي لأني لست من طلابك, ولو كان المقام يسمح, ولو كنت من أقرانك لأسمعتك ما لا تحب.
و مرت ليلة لا أحدثك عنها, وصعب علي تفسير ما حدت, إذ اندفعت لزيارته و أنا أتوقع منه كلمات إطراء وثناء, و لا سيما أن المختصر قد استقبل استقبالا ممتازًا من الباحثين وقد أسمعتني صفوة من المثقفين كلمات إطراء و استحسان, ولكنها لم تكن تعدل عندي آنذاك كلمة طيبة من صاحب الخليل.
بعد أسبوعين أو ثلاثة قمت بزيارة مؤسسة آفاق عربية التي أصدرت الجزء الأول أستعلم من مدير النشر فيها عن مصير الجزء الثاني , فأعلمني _ وهو من أصدقائي _ أن الكتاب قد حُوِّلَ على المخزومي منذ شهرين, ولم يصل تقريره في صلاحية نشر الكتاب, و لا أحدثك أيضًا عن ندمي على زيارة المخزومي في ذلك الوقت, وشعوري بالخجل منها إذ لو كنت أعلم بأمر إحالة الكتاب عليه لما قمت بزيارته مهما كانت الأسباب.
بعد شهر وصل تقرير المخزومي بصلاحية نشر الجزء الثاني بعد ( أن قرأ الكتاب كلمة كلمة متنا وحاشية), إلا أنه اشترط حذف أكثر من تسعين بالمئة من حواشي الكتاب, وتسلمت التقرير خلوًا من اسم الخبير كما هي العادة, و رددت على تقريره بتقرير مسهب بينت فيه سر الحواشيِ التي يراد حذفها, وأهميتها, واعتذرت عن حذف أية حاشية من حواشي الكتاب.
كانت لجنة النشر العلمية تضم صفوة علماء البلد ومثقفيها, وقد استغرقت مناقشة التقرير وقتًا طويلاً كما أعلمني مدير النشر, وكان رأي الحاضرين بالإجماع الأخذ بوجهة نظري. وعلى غير العادة أُعْلِمْتُ بكتاب رسمي بأمر الموافقة على نشر الكتاب بالصورة التي ارتأيتها, إذ المتعارف عليه في مثل هذه الحالة أن يحال الكتاب إلى خبير آخر أو يرفض.
هنا هدأ روعي, واحتكمت إلى العقل, ورأيت أن الاختلاف في الرأي دون تعصب وبعيدًا عن الأنا يفتح آفاقا معرفية في طريق مازال طويلاً أمامي, لذا قررت أن يستمر المخزومي خبيرًا لبقية الأجزاء, وطلبت من مدير النشر إحالة الجزء الثالث من الكتاب عليه, فاستغرب الرجل فقلت له: أنا كفيل باقناعه.
كانت وجهات نظرنا متقاطعة في كثير من الرؤى, وعلى الرغم من ذلك ذهبت إلى داره دونما ميعاد, فاستقبلني رحمه الله, استقبالا من نوع آخر, وجاءني بفنجان القهوة بيده, وكان قد سبقني إليه أستاذ غاب اسمه عن ذاكرتي شارك المخزومي مع الدكتور علي جواد الطاهر والدكتور إبراهيم السامرائي بالإشراف على نشر ديوان الجواهري رحمه الله.
قال لي _ رحمه الله_ مبتسمًا: ماذا ستفعل بمختصر العين, فلم أعلق بسبب وجود الضيف, ولكني أطلعته على نسخة من ردي على تقريره و على قرار مجلس آفاق عربية فقرأ التقريرين ووجم قليلا وسكت دون أن يعلق, وبعد أن طال صمته, قلت له: إلا أني أبديت رغبتي لإدارة النشر أن تستمر خبيًرا لبقية الأجزاء, فانفجر ثانية, فقلت له: أخيرك بحضور زميلك بالاتي: أن تكتب ما تشاء, وأنشره في مقدمة الجزء الثاني, فان أحببت, رددت عليه, وإن رأيت تركته لتقدير القراء, وإن شئت تناقشنا على كل جزئية فيه, ولكن بصراحة ومودة لا تعكرها الأنا وإن لم نستطع الوصول إلى قناعة ثبتنا اختلافنا في الرأي في الهامش, وبعد خمس ساعات من النقاش الصاخب نقوم ونقعد في خلالها وافق الشيخ رحمه الله بعد أن أعيته الحيلة, وبعد أن تدخل صديقه الطيب, إذ قال له: و الله لقد أنصفك الرجل, وكنت في الحقيقة قد أنصفت البحث العلمي الجاد.
استمرت مراجعة الجزء الثالث أكثر من ثلاثة أشهر تخللتها جلسات علمية كانت خير ما جنيته من تحقيق كتاب مختصر العين الذي أنفقت في تحقيقه عقدًا ونيِّف من الزمان, فقد فتحت أمامي مناقشاتنا الصاخبة آفاقًا كان من حسناتـها عدة مقالات نشرتها عن كتاب العين, وكان من حسناتها كتاب ماثل للطبع بعنوان ( الانتصاف لإرث الأمة اللغوي مع استدراك على مطبوعه) وكان من حسناتها تحقيق كتاب ( استدراك الغلط الواقع في كتاب العين لأبي بكر الزبيدي) و الرد عليه.
وذهب الشيخ إلى جوار ربه, وغادرت العراق في خريف سنة 1993م لأعيش نفيًا اختياريًا, ولكن ذكرى تلك الأيام مازالت ماثلة أمامي, و ما كتبت ما كتبت إلا لكي أقول لك: إن الاختلاف في الرأي يجب الاَّ يفسد للود قضية, ولا سيما بعد أن أفسدنا كل شيء جميل في حياتنا بسبب الاختلاف في الرأي في مشرق أمتنا ومغربـها.