نعم محاكمة صدّام حسين غير عادلة

                                                      د. محمد حسين الأعرجي

 

صراخٌ محمومٌ متواصلٌ كما لوأنّه صادر عن جوقةٍ عراقية، وعربية، وأجنبية لا أعرف كيف تواطأت على هذا الصراخ الذي يُطالب أن تكون محاكمة صدّام حسين عادلة.

وللصارخين أن يصرخوا بدوافعهم السياسية أو المالية، ولكن عليهم لئلاّ نشكّ بنـزاهة صراخهم أن يشترطوا فيمن يطالبون أن تنعقد له محكمة عادلةٌ شيئين:

أوّلهما أن يكون الذي يدافعون عنه من بين الذين عُرفوا باحترام القانون ومراعاته، على حين أنّ صاحبهما لم يعرف القانون يوماً ما ـ وإن زعم أنّه درسه، ونال شهادة فيه ـ ولا يعرف حتّى أصول قانون المحاكمات الجزائية.

هذا وصاحبهما ليس حَدثَاً جانياً، وإنّما هو رئيس دولة من مسؤولياته حماية الدستور والقوانين المتفرّعة عنه!!!

نعم،لم يعرف هذه الأصول بدليل أنّه لم يستطع التفريق أمام السيد قاضي التحقيق بين جلسة التحقيق والمرافعة، ولو كان يفرِّق لم يعترض على قاضي التحقيق بأنّه تسبق كلَّ محاكمة جلسةُ تحقيق فيكون من ردِّ القاضي المُفحم عليه:

ـ هذه جلسة تحقيق!

فما يكون منه إلاّ أن يُغيِّر مجرى الحديث.

ودع عنك كلَّ هذا فقد كان القانون في نظر الرئيس الساقط قوله المأثور الذي سمعتُه بأذني، وسمعه معظم العراقيّين:

ـ " القانون هو شنو القانون؟ قرآن؟ آنه بجرَّة قلم أوقّع فيكون القانون "!

وسلامٌ على ديوان التدوين القانوني في العراق، وعلى شريعة حمورابي التي علّمت العالَم ما هو القانون!!!

وكان من احترامه القانون أن يصرِّح بأنّه مستعدٌّ أن يقتل عشرة آلاف عراقيّ إذا شكَّ أنّهم يقفون بوجه ثورة العفالقة المزعومة!

وأن لا مانع لديه أن يموت عراقيٌّ تحت العذيب أثناء التحقيق.

ولا أشكّ أنّ جوقة الصراخ القانونية والسياسية قد سمعت هذا منه، ولا أشكُّ أيضاً أنّها من يقظة الذاكرة بحيث ما زالت تتذكر حديثه أيّام الطغيان؛ لأنّه لم تمرَّ على إذاعته صوتاً وصورةً في القناة " العربية " الفضائية إلاّ أيامٌ عدداً.

هذا شيءٌ فأما الثاني فهو تشبّثه بأنّه ما يزال رئيس جمهورية العراق اعتراضاً على قول السيد القاضي:

ـ رئيس جمهورية العراق سابقاً.

واعتراضه مضحك، وتسبيبُه أكثرُ إضحاكاً، وذكرُ أسبابه إهانة ـ ما بعدها إهانة ـ للشعب العراقيّ.

فالرجل يزعم أنّ إصراره على لقب " رئيس الجمهورية " هو احترام  لإرادة الشعب العراقيّ العظيم ، وليس تشبّثاً بوظيفة ".

واحترام إرادة الشعب عنده إيمانُه أنّه انتُخِب بنسبة 100/100.

وكان هذا الإيمان وحدَه ممّا يدعو قاضي التحقيق أن يكفّ عن التحقيق معه، وأن يسوقه إلى مصحَّة عقلية ريثما تُثبِت أنّه معافى عقليّاً فيستأنف التحقيق معه!

وإلاّ فعجيبٌ أنه لو كان العراقيون والعرب قد اقترحوا أن يكون الرسول الأعظم عليه أفضل صلوات الله وسلامه لينتخبوه زعيمهم لما حاز على هذه النسبة الماسيّة التي لم تحدث في مشارق الأرض ومغاربها، ولا في جمهوريات الموز، ولن تحدث.

نعم، لم تحدث، ولن تحدث؛ لأنّه سيكون من شأن بني النضير ألاّ ينتخبوه ـ ولعلي كتبتُ هذا يوماً ما وأُعيده الآن ـ وسيكون من شأن بني قريظة، وسيكون من شأن أبي جهل ورهطه، وأبي لهب وقومه، وسيكون ويكون.

هذا وأرجو ألاّ تسومني الحديث عن خلفاء الرسول الأعظم الراشدين؛ إذ لن يخلو أحدٌ منهم من اعتراض، أو من رمي ورقة بيضاء في صندوق الانتخاب، وحسبك من صناديق الاقتراع الإسلامية أن اغتيل ثلاثة خلفاء راشدين، ونجا أبو بكر الصديق لقصر عمر خلافته، لا لشيء آخر ولم ينجُ مع هذا من قول عمر بن الخطّاب فيه: " كانت بيعةُ أبي بكر فلتةً وقى الله المسلمين شرَّها ".

وإذاً كيف استقام في ذهن صدّام حسين، وفي أذهان محاميه، وفي عقول المتصارخين أنّه رئيس شرعيّ، وأنّه يجب أن يُحاكم محاكمة عادلة؟

نعم، إنّ المحاكمة غير عادلة إذ اكتفت بتوجيه سبع تهم إليه، وإنّها لم تُضف إلى هذه التهم:

ـ تزوير نتائج الانتخابات الرئاسية، وحرمان العراقيّين المقييمن في الخارج من الإدلاء بأصواتهم.

ـ تبديد المال العامّ في منافع شخصية، وعائلية.

ولو لم يكن من أمر هذا التبديد إلاّ قرار مجلس الحُكم المُنحلّ في حجز أموال 1493من الذين استأثروا بها بدون وجه حقّ إلاّ أنّهم أقارب لكان في ذلك ما يزيد على الكفاية.

ولو لم يكن منه إلاّ كوبونات النفط، ورُشى الإعلاميّين من صحفيّين، ومقدِّمي برامج، ومؤلّفي كتب رخيصة أن يُروِّجوا لسياسات النظام البائسة لكان ذلك برهاناً ساطعاً على وقوع التهمة.

هذا وقد كلّف جهاز السيدة رغد بنت صدّام حسين حين زُفّت لابن عمّها المرحوم حسين كامل ثلاثة ملايين دولار، وكلّف رحلة طائرة خاصة من بغداد إلى الكويت، هذا عدا أثمان بدلات ابنها المحروس علي ـ بعد أن أنجبت ـ في باريس، ونفقات إرسال طائرة عراقية خاصة للتوصية بخياطة بدلاته والإتيان بها على وفق ما يريد أن يراه بها جدّه صدام حسين.

ولقد سمعتُ المسؤول عن شراء هذه البدلات في قناة فضائية يقول: إنّ كلّ بدلة كانت تُكلف أربعين ألف دولار؛ لأنّ الشركة المصنِّعة كانت تصنعها " للأمير " علي بشكل خاص !!!

وتهمةٌ تاسعة فاتت المحكمة هي اغتيال من اغتيل من أمثال الشهداء: السيد مهدي الحكيم، وتوفيق رشدي، والشيخ طالب السهيل، ومئات سواهم ممّن استُشهدوا، وممّن نجوا.

وتهمة عاشرةٌ يفخر بها المتّهم هي محاولة اغتياله الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم، ولا أظنّ أنّها سقطت بالتقادم.

وحادية عشرة هي إسقاط جنسيات العراقيّين وهدر دمائهم ممّن وردوا في قائمة " المُرتدين " في جريدتي: " بابل " و " الزوراء ".

وتهمة ثانية عشرة هي أنّه كان قائداً للقوات المسلّحة وسلَّم بغداد إلى محتلّيها الأمريكان في رمشة عين، هذا عدا شروط خيمة صفوان المُهينة للجيش العراقي، ولأبناء العراق جميعاً، على حين كان الجنديّ العراقيّ يُعدَم بدون محاكمة إذا فرّ من مسارح حروبه الدونكيشوتية بتهمة الخيانة العظمى.

وتهمة هي التهمة الثالثة عشرة التي تقول: إنّه أجاب ابن عمِّه علي الكيمياوي في قاعة الخلد ببغداد ـ وهذا ثابتٌ في كاسيت فيديو بصوته وصورته ـ في وأد مؤامرة رفاقه المزعومة من أعضاء القيادة القطرية في حزبه سنة: 1979:

" قضبة شارب ما يلعب بيهم إلاّ السيف ".

فكان من قبضة الشارب هذه التي يسميها أهل تكريت: " قضبة " لا أقلّ من عشرين عراقيّاً.

وهنالك تهمة هي الرابعة عشرة هي رفضه قرار الأمم المتحدة: " النفط مقابل الغذاء " ثم الرضوخ له ممّا سبَّب موت آلاف الأطفال العراقيّين، وحرمان ذويهم من العلاج.

وخامسة عشرة هي تجفيفه الأهوار، وإضراره بالبيئة العراقية.

وإذاً، المحاكمة غير عادلة؛ لأنّها وقفت عند لون قشرة الحنظل الزاهي، ونسيت طعمه.

وهنالك عشرات التُّهم، ولكنّني سأكتفي بهذا متسائلاً:

ألم يكن أعضاء قيادته القومية مسؤولون عن هذه الجرائم أم أنّنا فتحنا لهم في العراق دار أيتام؟

ثمّ أن أين كان المتصارخون الذين يطالبون بمحاكمة عادلة له الآن يوم أُعدم الشهيد سلام عادل قرضاً بالمقاريض في سجون العفالقة، ويوم مات تحت التعذيب في سجونهم الشهداء: حسن عوينة، وجمال الحيدري، ومحمد صالح العبلّي.

وأين كانوا يوم لم تمتدّ محاكمة الزعيم الشهيد عبد الكريم قاسم أكثر من ساعة ليُعدم بعدها، ويُرمى جثمانه في نهر دجلة؟!

وأين كانوا يوم اغتيل الشهيد ستّار خضير، ويوم أُعدم الشهيد الدكتور عبد الهادي الحكيم، والشهيد كمال يوسف الحكيم، وأحمد محمد رضا الحكيم، ونزار حبيب الأعرجي، وحسن سريع ،ويوم غُيِّب فاضل صالح الأعرجي، والسيد جواد شُبَّر وعشرات سواهما؟

ومُضحكةٌ هي التهم التي قالت فيما قالت: إنّه أعدم علماء الشيعة.

نعم، مضحكة لأنّها توحي بأن من استشهد على يديه ولم يلبس عمامةً فدمه مهدور حتّى لو كان من أركان الفيزياويّين، أو من أقطاب الكيماويّين أو من فطاحل الأدب من أساتذة الجامعة.

أمّا العامة من الشيعة أو السنّة فدماؤهم وبول الحمير سواء بسواء، لأنّ إخواننا وقد آمن بعضُهم بحصانة العمامة الشيعيّة نسوا أو تناسوا حصانة العمامة السنّية، وإلا فبم تختلف العمامتان؟ وبم يختلف العامّة من حيث الحقّ في الحياة عن أصحاب العمائم " العلماء " ؟!

ثمّ أين كان المتصارخون الذين يطالبون الآن بمحاكمة عادلة لصدام يوم كانوا يرون آناف العراقيّين تُجدعُ، وآذانُهم تُصلم، وألسنتُهم تُقطع بدون محاكمة حتى ولو كانت صورية؟

أين كانوا وأين كانت منظمّات حقوق الإنسان عن هؤلاء ؟! ألم يتجوّل أحدٌ من هذه المنظمة العتيدة أو من أولئك المدافعين في شارع عراقيّ واحد ليرى الشباب المقطوعي الألسن، والمصلومي الآذان، والمجدوعي الآناف فيسألهم أن كيف حدث لهم ذلك، ولماذا؟! أم أنّهم استوثروا مكتب طارق عزيز وتكييفه؟!

وأين كانوا وأين كانت يوم كان السجين العراقيّ يُغتصب بعد أن تُبتر أعضاؤه التناسلية؟

وأين كانوا وأين كانت يوم كان يسأل مدير الأمن في أية محافظة عراقية أزلامه إن كانوا قد وقّعوا في دفتر الدوام أم لا؟ يعني بذلك أن هل اغتصبتم تلك السجينة العراقية الشابّة أم لا، فكانوا يتناوبون عليها جميعاً، وكان هذا هو التوقيع في دوائر أمنهم العفنة.

فيا أيها المدافعون عن الشيطان استحوا قليلاً فقد طفح الكيل والله، ولكم أن تتبرقعوا بحضارتكم السياسية المزعومة، ولنا أن نقول: لقد أتخمتمونا حضارة إلى حدّ القيء، وأتختمونا وطنيةً بحيث رضينا بفضل نضالكم بالاحتلال الأمريكي، فاستحوا قليلاً، وتذكّروا قول المتنبّي:

       واحتمالُ الأذى ورؤيةُ جَانيـ      ـهِ  غذاءٌ تَضوى به الأجسامُ