التماثل الفكري والخلط الفكري  

 

د. تيسير الناشف

 

          لكل مجتمع ثقافته. ثقافة المجتمع هي طريقة التعامل بين أفراد المجتمع  وبينهم وبين محيطهم الطبيعي. هذه الثقافة تحدد مقاصد المفاهيم. والمفاهيم صياغات نظرية. مما تعنيه نظرية الصيغة أن الصيغة يمكن أن تكون لها مقاصد مختلفة. في أي سياق واقعي لكل مفهوم أو صيغة نظرية مقصد مقبول. والمقصد هو الذي يعطي الدلالة الحقيقية للمفهوم. هذه المقاصد للمفاهيم تحدد ثقافة المجتمع وتتحدد بها، أي أن هذه المقاصد تحدد طريقة التعامل بين أفراد المجتمع وبينهم وبين محيطهم الطبيعي وتتحدد بهذه الطريقة.

          والمفاهيم نتاج الخلفيات التاريخية والاجتماعية والتراثية والثقافية والاقتصادية والنفسية التي تنشأ المفاهيم فيها. هذه الخلفيات هي أساس المفاهيم. وتتضمن هذه الخلفيات جوانب مختلفة منها تجارب ومقاصد وظروف وقيم وقواعد مادية ومعنوية يسهم في تحديدها الزمان والمكان. ولعلنا نعبر عن المعنى بعبارة أخرى حينما نقول ان المفاهيم تنشأ عن أسس معرفية وفكرية واجتماعية وتراثية وثقافية واقتصادية ونفسية وتاريخية. 

          عند استعمال المفاهيم في سياق واقعي تجب معرفة مقاصد مفاهيم هذه الأسس. واذا وجدت أسس متشابهة  للمفاهيم المقصودة  ساعد هذا الوجود على ايجاد التوافق أو التكامل أو التتام بين هذه المفاهيم المقصودة.  هذا التشابه يوجد نسيج الترابط بينها. واذا وجدت مفاهيم لها أسس معرفية وفكرية واجتماعية وثقافية تاريخية واحدة فيحتمل احتمالا كبيرا أنه يجوز لنا الكلام عن "وحدة الأسس المعرفية الاجتماعية التراثية التاريخية لتلك المفاهيم". وفضلا عن ذلك، هذه الأسس توجد قدرا أكبر من التوافق أو التكامل بين وحدات المفاهيم. واذا استعملت مفاهيم  لها أسس معرفية وفكرية وتراثية واجتماعية تاريخية مختلفة أدى ذلك الاستعمال الى اللبس أو الخلط المفاهيمي، مما يؤدي الى الارتباك المفاهيمي وبالتالي الارتباك الفكري بالنظر الى أن المفاهيم ذات الأسس المعرفية التاريخية الاجتماعية المختلفة لها مقاصد مختلفة، وان من الأكيد تقريبا أن المستعملين للمفهوم يقصدون به مقصدا يخالف مقصده الأولي. واذا نشأت هذه الحالة عنت أن يقوم الكاتب أو المتكلم بتناول المفهوم بالمقصد الذي يظنه ذلك الكاتب أو المتكلم واردا فيه بينما لا يقوم ذلك التناول على الفهم الصحيح أو الدقيق لذلك المقصد.

          وتختلف المجتمعات بعضها عن بعض في مدى الاختلاف أو الشبه القائم بين خلفياتها. ثمة مجتمعات الاختلاف أو الشبه القائم بين خلفياتها أقل أو أكبر من الاختلاف أو الشبه القائم بينها وبين خلفيات مجتمعات أخرى. يمكن القول ان المجتمعات التي يقوم بين خلفياتها شبه أكبر تكون مقاصد المفاهيم الناشئة فيها أقوى شبها. والعكس هو الصحيح، وهو أن المجتمعات التي يقوم بين خلفياتها اختلاف أكبر يكون الاختلاف بين مقاصد مفاهيمها أكبر. وبالتالي، رغم اختلاف خلفيات مجتمعات البلدان العربية  يقوم شبه أكبر أو اختلاف أقل بين مقاصد مفاهيمها بالنظر الى الشبه الأكبر لخلفيات هذه المجتمعات.

          ومقاصد مفاهيم المجتمعات الغربية، رغم اختلاف خلفيات هذه المجتمعات، يقوم بينها شبه أكبر من ذلك القائم بين تلك المقاصد ومقاصد مفاهيم المجتمعات العربية. ان ممارسة الحرية في بلد من البلدان، على سبيل المثال أحد البلدان العربية، ولنقل لبنان، وفي بلد آخر، لنقل اليابان أو الولايات المتحدة، لا تعني أن مقصد مفهوم الحرية في لبنان مماثل أو مماثل تماما لمقصد ذلك المفهوم في اليابان والولايات المتحدة. بالنظر الى اختلاف الخلفيات لهذه البلدان الثلاثة تختلف مقاصد مفهوم الحرية فيها. التعري العلني  مثلا نوع من أنواع الحرية في الولايات المتحدة ولكنه لا يندرج في اطار ممارسة الحرية في أماكن أخرى.

          ذكرنا أن ما تبدو أنها نفس المفاهيم تختلف مقاصدها بعضها عن بعض تبعا لاختلاف الخلفيات المعرفية التاريخية الاجتماعية التي نشأت تلك المفاهيم فيها. في المجتمعات المختلفة ذات الخلفيات المختلفة يمكن أن تكون لما تبدو أنها نفس المفاهيم جوانب متماثلة وجوانب متغايرة. هذا التماثل والتغاير يحددهما مدى الاختلاف القائم بين الخلفيات المختلفة للمفاهيم. وبالتالي ليس من الصحيح، من منظور الحرص على الحفاظ على الهوية القومية أو الحضارية أو التراثية، قصر تناول المفاهيم الناشئة عن خلفيات مختلفة على تبيان الجوانب المتماثلة للمفاهيم المقصودة دون تبيان الجوانب المتغايرة. فالقيام بمثل هذا التناول من شأنه أن يطمس الغيرية الظرفية المعرفية الاجتماعية التاريخية للمجتمعات التي نشأت المفاهيم فيها.

          ان قدرا لا يستهان به من كتابات المفكرين العرب يغفل خلفية المفاهيم، وهي  الخلفية التي تكون المعنى المقصود أو المقصد للمفهوم. في السياق العربي فان الأخذ بمفهوم من المفاهيم بسياقه غير العربي وبخلفيته التاريخية والاجتماعية غير العربية من شأنه أن يدخل في هذا السياق مقاصد قد لا تتفق مع مقاصد مفاهيم عربية أو قد تتعارض معها، وهذه المقاصد العربية قد يعتز العرب بها أو قد تكون ذات قيمة جوهرية بالنسبة اليهم أو قد تكون ذات فائدة كبيرة لمركزهم الحضاري أو لبقائهم.

          يبدو ان عددا من الكتاب العرب في قضايا الاصلاح الاجتماعي والاقتصادي لم يتعمقوا ما فيه الكفاية في دراسة التاريخ السياسي والاقتصادي والاجتماعي  للغرب ولم يتعمقوا ما فيه الكفاية في دراسة النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية الغربية. ان المفاهيم الغربية التي يقبلها قسم كبير من هؤلاء الكتاب في السياق العربي منتزعة ومنفصلة عن سياقها الفكري الاجتماعي التاريخي. في الغرب، على سبيل المثال، صاغت مفاهيم مثل الديمقراطية والليبرالية ونواب الأمة والحرية وحكم القانون وغيرها فلسفة شكلت أساس تنظيم حياة المجتمع والدولة. ان عددا من المفكرين العرب في تناولهم لقضايا المجتمع العربي والدولة العربية يعتبرون مفاهيم مثل الشورى وأهل الحل والعقد والاجتهاد وغيرها مرادفة أو مماثلة للمفاهيم الغربية، وهي ليست مرادفة ولا مماثلة لها. وهم، بعد أن انطلقوا من اعتبار تلك المفاهيم العربية الاسلامية مرادفة للمفاهيم الغربية، يتناولون تلك المفاهيم العربية الاسلامية وكأنها تحمل مقاصد المفاهيم الغربية. انهم ينسبون الى تلك المفاهيم العربية الاسلامية مقاصد المفاهيم الغربية.

          وما فتىء ذلك يحدث خلطا فكريا مروعا. انهم بذلك الخلط يسيئون تناول المفاهيم الغربية لأنهم ينتزعونها من سياقها الاجتماعي التاريخي ويسيئون استعمالها بأنهم يقومون باستعمالها في غير سياقها التاريخي الاجتماعي وبأنهم يساوون بينها وبين مفاهيم عربية اسلامية. وهم يسيئون استعمال المفاهيم العربية الاسلامية بقيامهم بانتزاعها أيضا من سياقها التاريخي الاجتماعي وبتحميلها مقاصد لا تحملها، مقاصد تعود الى المفاهيم الغربية التي ظن أولئكم الكاتبون خطأ أنهم وجدوا في اللغة العربية مرادفات لها.

          وهؤلاء الكتاب بسوء الاستعمال هذا أيضا يخلقون انفصالا فكريا لأنهم عن طريق قيامهم باعتبار مفاهيم عربية اسلامية مرادفة لمفاهيم غربية وبالتالي عن طريق نسبة مقاصد المفاهيم الغربية الى المفاهيم العربية الاسلامية وعن طريق تحميل المفاهيم العربية الاسلامية مقاصد المفاهيم الغربية لا يحققون الربط، في السياق العربي، بين مقاصد المفاهيم الغربية والعربية الاسلامية. ودون تحقيق الربط يبقى الانفصام، ويبقى الخلط الفكري. حتى تتم عملية الوصل ينبغي ادراك المقاصد للمفاهيم الغربية وللمفاهيم العربية الاسلامية، ثم تبين أماكن الالتقاء الفكري لهذه المفاهيم.

          وهناك طبعا مفاهيم تكنولوجية وقيمية اجتماعية خلقية. كلما قويت السمة التكنولوجية للمفهوم قلت صعوبة تبنيه من قبل مجتمعات أخرى وقل احتمال تعارضه مع قيم المجتمعات الأخرى المتبنية له. وكلما قويت السمة القيمية والتاريخية والاجتماعية للمفهوم زادت صعوبة تبنيه في مجتمعات أخرى وزاد احتمال نشوء تساؤلات كثيرة داخل المجتمعات المتبنية  عن مدى انسجام ذلك المفهوم مع قيم المجتمع المتلقي له. وذلك لأنه لا توجد لدى المتلقي للقيم التكنولوجية موانع قيمية خلقية أو توجد لديه موانع أقل تحول دون تبني هذه المفاهيم بالنظر الى أن هذه المفاهيم تتسم الى حد كبير بسمة الحياد القيمي.            

          ان عددا من العرب الذين تناولوا مسائل النهضة والتطور والتقدم والاصلاح لم يدركوا الطابع التاريخي للمنهج في علم الاجتماع. ويتألف ذلك المنهج من مجموعة القوانين والمبادىء التي تقرر منطق التغيير الاجتماعي وقوى ذلك التغيير ومضمونه خلال التاريخ. وهذه القوانين تعبر عن طبيعة ونمط العلاقات القائمة الكامنة في الواقع المعاش عينه. وبالنظر الى أن عمل هذه القوانين والمبادىء متوقف على شروط تاريخية معينة وعلى قوى اجتماعية قائمة خلال التاريخ فان لهذه القوانين والمبادىء طابعها التاريخي.

          ان اعمال النظام البرلماني التمثيلي والنهوض بمركز المرأة والتعليم وتحسين الحالة المعيشية للطبقات التعيسة والمحرومة وغيرها من الخطوات من شأنها أن تسهم في تطور وتقدم المجتمع شريطة أن تتوفر عوامل أخرى. ان هذه الخطوات وغيرها ليس من شأنها أن تؤدي تلقائيا الى تقدم المجتمع وأن تنقلنا تلقائيا الى ذلك التقدم. لتحقيق التقدم ينبغي، بالاضافة الى اتخاذ هذه الخطوات وغيرها، تحديد العوامل والقوى الاجتماعية والاقتصادية والنفسية والثقافية التاريخية التي تتحكم بعملية التطور تحكما سلبيا أم ايجابيا. هذه الخطوات والعوامل تتأثر بعضها ببعض. ويتوقف تحقيق تطور المجتمع أو عدم تحقيقه على نتيجة ذلك التأثر والتأثيرالمتبادلين وعلى قوة تلك الخطوات والعوامل.

          والقول بأن من اللازم، حتى نحقق التقدم العربي، الرفض لكل جوانب نموذج الحضارة الغربية فيه شطط كبير. وذلك لأن قسما كبيرا من جوانب الحضارة الغربية عالمي وليس له مدلول أو مضمون قيمي غربي؛ انه محايد المدلول، وهو ينطبق على كل المجتمعات في العالم ويمكن لكل المجتمعات في العالم أن تأخذ به دون أن ينطوي ذلك على الخوف من الغزو الحضاري الغربي للمجتمعات غير الغربية.

          ولا يوجد في العلوم الاجتماعية منهج علمي بكل معنى الكلمة. "للمنهج العلمي" سمات الواقع الذي نشأ المنهج فيه. "للمنهج العلمي" في المجالات الاجتماعية خلفية ايديولوجية. وللكثير من المقولات الفكرية الغربية أسبابها التاريخية الاجتماعية. وعلى الرغم من الجلباب العلمي لهذه المقولات فان لقدر كبير منها قناعا مذهبيا أو سمة مذهبية. وبالنظر الى تاريخية قسم كبير من المقولات الفكرية الغربية ومذهبيتها لا يصح احتضانها دون الدراسة المتروية. ولا يصح التطبيق التلقائي ل "منهج علمي" نشأ في واقع ما على واقع مختلف. ومرد عدم صحة هذا التطبيق هو أن الاستنتاجات الناجمة عن تطبيق  ذلك المنهج على الواقع المغاير غير سليمة لأن تلك الاستنتاجات تم التوصل اليها بمقاصد مفاهيم المنهج الناشىء في الواقع المغاير؛ أي ان هذه المفاهيم غير مستمدة من الواقع الذي طبق المنهج فيه. ان النقل التلقائي ل "منهج علمي" من واقع الى واقع آخر مغاير من شأنه تجاهل الخلفيات الاجتماعية والثقافية التاريخية التي وسمت ذلك الواقع وبالتالي ذلك المنهج المستمد منه. وذلك يبين أن النقل التلقائي للمناهج من شأنه أن يوجد بلبلة منهجية.

          ومن النماذج الحضارية المختلفة النموذج العربي الاسلامي والنموذج الغربي. هذان النموذجان شغلا ردحا طويلا من الزمن، يقع في قرون كثيرة. وفي الحقيقة فان ادراج التركة الماضية والحاضرة الفكرية والقيمية الغربية في صنف ما يسمى بالنموذج الغربي، والتركة الماضية والحاضرة الفكرية والقيمية العربية الاسلامية في صنف ما يسمى بالنموذج العربي الاسلامي ينطوي على قدر من التجريد. اذ على الرغم من الاختلافات بين النموذجين لا يستبعد الواحد منهما الآخر استبعادا تاما لوجود سمات فكرية وقيمية مشتركة بينهما. وضع النموذجين بعضهما قبالة بعض، أو اعتبارهما ندين متضادين لا يمت الواحد منهما بصلة بالآخر ممارسة فكرية تنطوي على التبسيط، ممارسة فكرية غير صحيحة، لأسباب مختلفة منها أن النموذجين تأثر الواحد منهما بالآخر على مدى قرون كثيرة. لقد حدث تأثير يوناني وبيزنطي على الحضارة العربية الاسلامية، كما حدث تأثير عربي اسلامي على الحضارة الغربية.

          وثمة وجه تماثل آخر بين النموذجين، وذلك الوجه هو عالمية قدر كبير من الأفكار والقيم التي يأخذ بها النموذج الحضاري الغربي والنموذج الحضاري العربي الاسلامي. والنموذجان الحضاريان تقوم بينهما أيضا صلة من ناحية عالمية صفة التكنولوجيا، وهي التكنولوجيا الشائعة في الغرب والتي وصلت الى أماكن معينة في الأراضي العربية.

          ومن الملاحظ أن الفكر الغربي في العصر الحاضر له الغلبة وفكرنا العربي فكر يتحكم فيه الى حد كبير الفكر الغربي والقيم الغربية. ويتقبل العرب باستمرار عن وعي ودون وعي قدرا كبيرا من القيم الغربية. من المنظور القومي ومنظور الرغبة في الحفاظ على الهوية ليس من السليم أن نقبل كل الأفكار الغربية وليس من السليم أن تغلب وتهيمن الأفكار الغربية على الأفكار العربية، ومن المستهجن أن تهمش أفكارنا ازاء الأفكار الغربية. ليست الأفكار الغربية كلها سليمة أو صحيحة من منظور الرغبة في تحقيق السعادة البشرية ومن منظور الحفاظ على انسانية العلاقات البشرية ومن منظور الوفاء بالحاجات البشرية الأساسية. من هذه المناظير كلها النموذج الغربي  ليس النموذج الأمثل.

          ودعوتنا الى العزوف عن قبول كل الأفكار الغربية مردها ليس فقط الرغبة في الحفاظ على الهوية القومية ولكن أيضا لأن النموذج الغكري الغربي ليس كاملا وليس أمثل. تعتوره عيوب خطيرة. ولا أريد القيام بتفصيل هذه العيوب لأن ذلك ليس مرمى المقال الحالي.

          وثمة أسباب مختلفة لحقيقة أن ثقافتنا العربية مغلوب على أمرها ولهيمنة الفكر الغربي عليها. هذه الثقافة لم تكن العامل الرئيسي في تحديد الخيارات الفكرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية والانمائية للعرب. قامت بالدور الأكبر في تحديد هذه الخيارات الثقافة الغربية الوافدة. ولا يمكن أن نعرف أنفسنا وأن نعرف هويتنا الحقيقية من منظور الثقافة الغربية ومن منظور تلك الخيارات التي لم تحددها لنا ثقافتنا العربية. ولا يمكن أن نعرف أنفسنا وأن نعرف هويتنا الحقيقية ما دام تحديد تلك الخيارات نابعا من غلبة الثقافة الغربية على ثقافتنا العربية وما دمنا نرى أنفسنا ليس من منظور ثقافتنا وهويتنا الحقيقية. يجب أولا أن نعرف هويتنا الحقيقية من مختلف جوانبها، وبعد تحقيق هذه المعرفة يمكننا أن نشرع في العمل: عمل تحديد الخيارات في شتى مناحي الحياة. ومن الطرق البالغة الأهمية لتحقيق معرفتنا لأنفسنا بعث الجوانب الطيبة في الحضارة العربية الاسلامية ودراستها وفهمها وتبني قيمها التقدمية البناءة المتجاوبة مع حاجاتنا العصرية.

          ومن المجالات التي تسبب فجوة في الاتصال بين الفكر الغربي والفكر العربي اختلاف الألفاظ في سعة أو ضيق مدلولاتها. توجد ألفاظ كثيرة لها مدلول أوسع أو أضيق في اللغة العربية من مدلول نفس الألفاظ في اللغات الغربية. وذلك الاختلاف نابع أيضا من عوامل ثقافية واجتماعية تاريخية. وبالنظر الى هذا الاختلاف في مدلول نفس الألفاظ يكون المدلول الذي تحمله لفظة في اللغة العربية مختلفا عن مدلول نفس اللفظة في لغات أخرى. على سبيل المثال لفظة "مبدأ". قد يكون لهذه اللفظة في اللغة العربية مدلول خلقي أقوى مما لها في لغات غربية. وذلك بالتالي يوجد صعوبة في الاتصال بين الناطقين باللغة العربية ولغات أخرى.

          وثمة صلة قوية بين الهوية الثقافية والقومية لشعب، مثلا الشعب العربي، ومقدار القيم الغربية التي يستوعبها هذا الشعب. ألانسان عرضة لتزاحم القيم المختلفة والمتناقضة فيما بينها للدخول في ذاته. ومقدار القيم التي يمكنها أن تدخل في هذه الذات محدود سواء كان ذلك الدخول في نفس الوقت أو في أوقات مختلفة. ودخول هذه القيم في الذات يتراوح بطئا وسرعة وفقا لعوامل مختلفة منها مقدار هذه القيم. ودخول القيم في الذات في أوقات مختلفة أحد العوامل التي تقرر مقدار هذه القيم. وبناء عليه كلما زاد مقدار القيم العربية التي تستمد من حضارتنا القديمة )والمقصود ب "القديمة" هنا حضارة العصور الوسطى والعصور التي سبقتها( والتي تدخل في ذواتنا زاد دورها تأثيرا في تشكيل بنية هويتنا القومية وزادت مزاحمتها للقيم الأجنبية وأدت الى تقليل مقدار القيم الغربية الداخلة في ذواتنا، والعكس هو الصحيح. وبالتالي اذا أردنا تعزيز الجانب القيمي العربي في هويتنا الثقافية والقومية توجبت زيادة مقدار القيم العربية الطيبة الأثر التي تدخل في ذواتنا لتقليل دور القيم الغربية السيئة الأثر في تشكيلها لهويتنا الثقافية والقومية.