الدكتور الأعرجي شاعراً شعبياً

الاستاذ عباس سميسم

                                                                                   ( السويد)

الكلمة التي كتبها الدكتور الأعرجي في العدد الأول من الديوان الغرّاء أعادتني الى النجف الى سنوات الحلم والصبوات الأولى لتلك الأيام التي لا تمرُ مرةً أخرى .

ما يعرفه قراء الدكتور الأعرجي إنه إستاذ جامعي ومؤلف ومؤرخ أدبي وعالم لغة ولكن هذا ليس كل شيء .. فالأعرجي شاعر شعبي ايضاً وبارع في هذا الفن وربما كانت بداياته الأدبية  هي في الشعر الشعبي والذي يعتبر ف يمدينة النجف قريناً للأدب العربي ـ القريفي ـ أو مرادفاً له خاصةً في مواكب العزاء العاشورية والمجالس الحسينية والتي لا يمدها زمن ولا تحصرها مناسبة ..

تعرفت على الدكتور الأعرجي عام 1970 في مقهى الشعراء في شارع الأمام زين العابدين في النجف بعد أن سمعت بقصيدته الهزازة :

                              شنسوّي رجعنة للهوة  ردود .       

غربة وين مَنحّل والله غربة

رجعنة للشعر ، للكاس ، للعود

لليل اليجينة بألف حسبة

" والقصيدة مرفقة كاملة مع هذا المقال "

كانت هذه القصيدة مهمازاً لكثير من الشعراء الشباب يحفزهم على الخروج من أسر مدرسة الشعر الشعبي القديمة التي كان أساطينها يعتبرون العبقرية في كتابة قصيدة لا تتحرك عند قراءتها الشفاه ولا يهم إذا كان النص رديئاً ، أو حين طولب احدهم بتحيث شعره كتب يخاطب الأمام الحسين (ع) .

حسين يا أريّل الاسلام

                        وبدر لا سلكي السمة

يا تلفون النبّوة وبصوت العاصمة

لم يكن حسين الأعرجي " وهذا كان اسمه في ذلك الوقت " رائداً في التجديد حيث سبقه عبد الواحد معله في قصيته " الخرانيب "

من إيدي ويا ذنب تجنيه الأيام

                           شيجني السكَة العويسج والخرانيب

آنة وما سواي بهاي يلام

                          جي ما أثرت بيه التجاريب

وهادي العكايشي في قصيدته :

حتايه حتايه العمر

             طش وكمت ليه يا ترف لملمته

ومرثيته لجمال عبد الناصر :

مشه ناصر

          مشه الماضي .. مشه الحاضر

مشه المستقبل الزاهر

كان هؤلاء وغيرهم كالمرحوم شهيد أبو شبع وعلي التلال ومعين السباك وقبلهم عبد الحسين أبو شبع قد لعبوا دوراً مهماً في تحديث القصيدة الشعبية ذات الخصوصية النجفية  والتي تعتمد أوزان الشعر العربي الفصيح كالوافر والسريع والموشح وكانت كلها تنظم على طريقة الأندلسيات سوى هادي العكايشي الذي انتقل الى الشعر الشعبي الحر مبكراً . أقول كانوا أولئك رواداً في التحديث ولكن حسين الأعرجي كان رائداً لمجاييليه من الشعراء الشباب إضافة الى خبراته الأدبية المة والتي إنعكست إيجاباً على قصائدة الشعبية .

كنت التقيه في ذلك المقهى الأدبي قبل أن يذهب الى بغداد للدراسة في كلية الآداب وكان يصحبه أخوه الأكبر الأستاذ علي الأعرجي ومحمد حسن الأعرجي وكان صديقاً للنوّاب ورواية لأشعاره وأخباره والتي كنا نطرب لسماعها كما إنه اخٌ شقيق للشهيد نزار الأعرجي أحد أبطال انتفاضة معسكر الرشيد الخالدة عام 63 .

كانوا معاً في أكثر الأحايين ولكن الأبرز بينهم كان حسين مرة جاءنا الشاعر جواد زاهد بمستهل قصيدة مضمناً إياه شطرة أغنية لوحيدة خليل وطلب ان نساجله عيله

لبست ثوب الليل وعلكَت الشمع

                                 وإنطفة ليل التجافي بشمعتي

ولو ردت وياك أحجي وتستمع

                               " منين أبديلك وملوف قصتي "

ودارت المساجلة وساهم فيها أكثر من عشرين شاعر وكنت حينها مراسلاً لجريدة إبن البلد الأسبوعية والتي تعني بالأدب الشعبي وتصدر في بغداد وقد طلب مني جواد زاهد أن أبعث بالمساهمات الى الجريدة ولكني حين قرأت أسماء المشاركين لم اجد بينهم أسم الأعرجي ولما أستفسرت عن السبب عرضت بأنهم لم يجدوه وربما كان ذاهب الى بغداد وكنا في شهر رمضان من تلك السنة وفي شهر رمضان كان الشاعر الحاج رسول محي الدين يعقد مجلساً أدبياً أجتماعياً كل ليلة من ليالي شهر رمضان وكان رواد المجلس خليطاً من الشعراء ووجوه المدينة وتجارها وشيوخها وكنت أرتاد ذلك المجلس في بعض الليالي وذهبت على عادتي والتقيت بالدكتور الأعرجي هناك وحكيت له عن موضوع المساجلة راجياً إياه بالمشاركة فامتشق قلمه وكتب لي مساهمته على قصاصة ورق صغيرة كانت معي . ولكنه كتب تحت إسمه ـ لا ينشر ـ واسفت لذلك وفعلاً لم أبعثها للنشر مع المساجلة إحتراماً لرغبته ولكن بعد مضي ثلاثين عاماً أرعضها للنشر رافعاً عنها السرّية !! بعد أن وصلتني من العراق مع ما تبقى من حطام الذكريات أتمنى أن يقرأها الدكتور الأعرجي وهي بخط يده وأن يخبرنا لماذا رفض نشرها حينذاك .

والآن ..

 ما الذي بقي من تلك

                   النجوم

وأين هي مقهى الشعراء ؟ وأين هم الشعراء ، وأين مدينتنا ؟ وهل سنقف عليها وقوف شحيح ضاع في التربِ  خاتمه

كما قال المتنبي ..

                                                                  عباس سميسم

                                                                  4 ـ 9 ـ 2000

مساجلة بيني وبين الأعرجي :

يقول الأعرجي :

عطش آب بدليلي بعدة جمرة

                             ميخالف شجاك إنته تبشرين

عذرك وينه آب وياه عذرة

                             هذا العشكَك ريته فده العشرين

واجبته :

بتشرين إنتظرتك وإنته محجوب

                          وردتك تطفي جمري الخلفة آب

إكَبلت لا جن بجمرة عطش ونيوب

                        وكَبل بس عطش ما جانت اكو نياب

ومضت شمس الأحلام مهوى الغروب

                     عسة لا جيت ريتك دوم بغياب

وجبتلي ليال سود بغير كَمرة

                      وجبتلي أشباح تتخاطف عله العين

يمعود إتركني روحي خطرة

                      فوكَ جروح آب تحط نياشين

                                                            كان هذا يوم 25/11م1971

                                                                   في النجف