من أب إلى ابنته

 

الحبيبة القريبة مني قرب العين من الحاجب الفاضلة أماني سلمها تعالى :

تسلمت رسائلك الكريمة بمزيد من البهجة والسرور ، فازدت شوقا ، وتلوتها مرارا ، ارى خلال سطورها صورتك الحبيبة ، واتطلع أيامك الحلوة ، هدوئك وابتسامتك ، وجملة من شخصيتك ، وما أنت فيه من ثقافة عالية ، وخلق نبيل ، وتفهم لمجريات الأمور ، وتتداعى بي المعاني الى زمن الطفولة البريئة ، وأيام الكوفة ، والشاطئ الجميل حيث ينساب الفرات تداعبه النسمات لتكون الزرد البلورية بين أمواجه المتدافعة نحو المسناة لتصافح العذارى والعشاق وتهدهد النفوس القلق فتعود البسمة أطمئناناً وحباً وتشبثاً بالحياة ، والعصافير والطيور في تغريدها وصفيرها وزقزقتها تبنى أعشاشا لافراخها في وطن كان حرا ليس فيه من المزعجات ما يعيق الناس والطبيعة ومسيرتها المطمئنة بالحياة . نعم كل هذه الصور والذكريات من تلك الأيام الهانئة السعيدة والاوقات المليئة  بالأفراح تمر وتداعى معانيها في أنبل المواقف وأحلى الساعات في غفلة من العمر وبما سيأتي به الزمن الحاضر من المعوقات والمزعجات .

ولولا المزعجات من الليالي

 

 

 

لما طار القطا وغفا وناما

 

 

أيام انقضت وأوقات مضت وآمال تبعثرت كنا نعيشها أحلاما سعيدة خاليه من الهموم الثقيلة ، والفراغ الممل ، معاهد الصبا ، واغاني الطفولة ، واحلام اليقظة ، ابتعدت سرابا ، وخلفت يبابا وترابا ، فلا نديم إليه منتهى أملي ، ولا صديق عليه منتهى عذلي ، زمن مضى كسحابة ماطرة عابرة . أهذه هي الحياة ، وصروف الدهر ؟

 

والليالي من الزمان حبالى

 

 

 

كل يوم يلدن كل عجيب

 

 

 


أمس الذي مرّ على قربهِ

 

 

 

يعجز أهل الأرض عن رده

 


وكنا في اجتماع كالثريا

 

 

 

ففرقنا الزمان بنات نعش

 


فيا ليت الشباب يعود يوما

 

 

 

فاخبره بما فعل المشيب

 


 

ذكريات ـ والذكريات صدى السنين الحاكي

الأبناء يكبرون فتحلو بهم الحياة أكثر ، وتزدهر بهم ساحة الدار ، وباحات الغرف ، يمشون لتزدان بهم الطرق والبساتين والشاطئ الجميل ، ثم المدارس والكليات ، أشجار مورقة مثمرة ، وزهرات تعطر الأرجاء بالشذى ، أفذاذ الاكباد تروح وتجيء تملأ الدار بالبهجة والفرح ، مطمئنة راضية ، تبنى المستقبل ، وتضىء الدرب :

 

 

وإنما أبنائنا بيننا

 

أكبادنا تمشي على الأرض

 

لو مرت الريح على بعضهم

 

 

ما اكتحلت عينى من الغمض
 


جادك الغيث إذا الغيث همى

 

 

 

يا زمان الوصل بالأندلس

 

لم يكن وصلك الا حلما

 

 

 

في الدجى أوغلة المفتلس

 

 

للأب ذكريات تختلف عن ذكريات الأبناء ، وآمال وآلام لا يشعر بها الأبناء .

الأب ينظر وراء الغيب لوحة الفسيفساء الخلاقة للحياة المبدعة للوجود ليرى مكان الأبناء ومستقبلات الأيام يبنى حجرا حجرا ليكتمل البناء صرحا من المعرفة والطموح والأباء يعيشها الجميع حياة كريمة عزيزة تشدهم أواصر الأخوة والمحبة والتعاون :

 

نبني كما كانت أوائلنا تبني

 

 

 

ونفعل مثل ما فعلوا

 

 

ويقف الأب عند الرمز المقدس ، اللغز الشفرة المبدعة ، فلا يجد جوابا للغز ويقف حائرا أمام الرمز .

أهي هذه الحياة .    إذن ما هي الغاية والنهاية .

وتعجز كتب الفلسفة قديمها وحديثها عن الجواب ، وتعجز كتب الاعتقادات ، المعقول واللامعقول ، تعجز كلها عن حل اللّغز .  عما يختلج في النفس من هواجس الايمان والشك وخواطر الدين والالحاد . يظل الأب في دوامة بين الكتب والعلماء والباحثين ، بين التنظير والتطبيق ، متنقلاً بين مدارس اللاهوت من أقصى خراسان شرقا الى أقصى القدس غربا يتدارك الحكمة والمعرفة في تكايا الدراويش وزوايا المتصوفة وأديرة الرهبان ليجد حلا وحجة أقوى دليلا من قول الخيام :

 

حلقت بالفكر من فوق السما لأرى

 

 

 

الجنان والنار والألواح والقلما

 

فصاح داعي الحجى فيك الجنان زهت


 

 

 

والنار شبت وفيك اللوح قد رقما

 

     

 

وبعد طول التجوال والسياحة وطرق أبواب المعرفة والسير في دهاليز عالم الغيب والشهادة عاد الأب مقتنعاً أن لا جواب لمعرفة اللّغز المصون وان مفاتح الغيب معلقة بين السماء والأرض يعجز العقل عن ادراكها والنفس الانسانية عن بلوغ معرفتها ولا سبيل للإنسان ليحافظ على توازنه وحفظ نوعه ليعيش في سعادة وسلام وتكافئ الا أن يؤمن بعجزه عن ادراك الحقيقة ولا سبيل لذلك الاّ الايمان المطلق بالمبدع الأول والخالق العظيم وأن النبوات والوحي والملائكة والمبدأ والمعاد حقائق يعجز عن ادراكها بحواسه وما أُوتيه من علم ومعرفة وحكمة فلابد للإنسان إذن أن يؤمن بما جاء به الرسل والأنبياء فان لهم قابلية ربط رسالة السماء بالأرض والتجرد من العالم المادي والسمو الى ما فوق العقل والادراك الحسي وبذلك فهم وحدهم المؤهلون لتفسير ظواهر الكون والمجتمع وتنظيم العلاقات الانسانيه للوصول بها الى التكافئ والتكامل في الحياة الدنيا مروراً الى عالم العودة والخلود ، ومن هذا المنطلق أمنت بسنة التطور والارتقاء ، أعلى مراتب النبات أدنى مراتب الحيوان ، وأعلى مراتب الحيوان أدنى مراتب الانسان ، وأعلى مراتب الانسان أدن مراتب الملائكة . وبين هذه المراتب بالتسلسل تنحصر شفرة الحياة الرمز بين التراب والماء ، بين السماء والأرض ، السماء بملايين المجرات والكواكب غازات منجمدة ومنها كوكب الأرض ،  والأرض تستمد الحياة من الشمس ، والشمس تابع في مجرة التبانه أم الأفلاك والنجوم والكواكب بالنسبة للأرض ، وهكذا بقيت المجرات وتوابعها .

إذن هذا جواب بديهي للمتناهي الذي لا تدركه الابصار ولا تنفذ إليه البصيرة ، عالم الغيب .  ولما كانت النفس الانسانية . بما تختزنه وتتملكه من وسائل الحس والادراك عاجزة عن ادراك المتناهي والمعرفة الكلية لعالم الغيب والشهادة المدبر والمحرك الأول واجب الوجود وجب عليها الايمان التعبدي بالفطرة والتقليد لأن النفس البشرية تسبح في جهل تام فهي غير مجهزة بملكة الادراك لما لا تقع عليه الحواس ، أما العقل المتفاوت بين الناس والحاسة السادسة ( الفنتازيا ) وأحلام اليقظة ، وتصورات ما يعرف بالطيف والحلم والتي تراود البشرية عامة مع الفارق بين التصور والتصديق ما هي الا جزء من ملايين الاجزاء العصبية المدركة في الباطن والتي لم تتطور عند الانسان الكامل ليتمكن من المعرفة المتكاملة لما وراء الطبيعة ولعظمة الخالق المبدع ، وعلى فرضية التطور النوعي للمخلوقات فعلى الانسانية أن تنتظر ملايين السنين ليكتمل هذا العصب أو ما يماثله من الحواس المدركة ليتم للبشرية معرفة ما وراء الطبيعة من عالم الغيب ، وهذا محال لأن للحياة عمر محدود يتجدد بالانسان والنبات والحيوان ، ولأن النفس البشرية الامارة بالسوء اكتشفت مئات الأسلحة المدمرة تمتلكها أياد شريرة تخلق الحروب وتستفيد آخرها بدعة النظام الجديد . والجواب لماذا كل هذا .

الانسان مخلوق من الأرض يتحكم فيه قانون البقاء للاصلح ، والتنازع من أجل الحياة ضروري لتطبيق هذا القانون لغرض التوازن بين المخلوقات ومنها الانسان والنبات والحيوان ومن طبيعة الحياة التجدد والتغير لصالح الديمومة والاستمرارية لبقاء النوع ولما كان الاقوى على المقاومة هو الاصلح لحفظ النوع كان لابد من التنازع لحفظ الحياة .

 

النواميس قضت الاّ يعيش الضعفاء

 

 

 

إن من كان ضعيفا أكلته الاقوياء

 

 

     

 

فاذا كانت هذه المقولة هي الحقيقة ، فلماذا هذه التخبطات والتعبثر في الآراء ، وما نشغل انفسنا به من التزام من تقاليد ومؤثرات . الجواب : إذا كان الخوف وهو غريزة مكتسبة عند الانسان لازمه منذ ان أدرك ذاته وهو ضروري لتنازع البقاء للحفاظ على كيانه على هذه الأرض ، والخوف من المجهول أكثر إدراكا للنفس ، ولما كان الانسان مجبول على الشر فالخوف يلازمه لأنه صانع الشر ، فهو يخاف إذن من عاقبة أعماله الشريرة التي يتضرر منها الآخرين ، فهو يخاف من أن يعامل بمثل ما تعامل به . فهو إذن يخاف من أعماله .

ولما كان مفهوم الشر نسبي ، فمهوم الخير إذن نسبي .

لوجود التطابق بينهما . ومثاله :

السرقة بالنسبة للسارق خير لأنه استحوذ على جهد غيره بدون عناء ، والسرقة بالنسبة للمسروق شر لأن ما حصل عليه بكده وجهده ذهب الى غيره . مثال آخر :

العقرب مخلوق للدغ . فاذا لدغ أحد ما هي طبيعته المجبول عليها ، فنسبة اللدغ له خير لأن أدى وظيفته .

أما بالنسبة للملدوغ شر لأنه تألم وممكن أن يبتر منه عضو أو يموت .

إذن : الخير والشر نسبي بين المتضرر به والمنتفع به .

فاذا صحت هذه المقولة تصح بالضرورة على نظرية الجبر والاختيار بمعنى هل للانسان في مجمل أعماله مجبور عليها أم مختار لها ، فان قلنا مجبور على أعماله فالقوانين الوضعية ، والشرائع السماوية ملغاة لأنها تعاقب المسئ وتثيب المحسن . إذن جميعها باطلة .

وإن قلنا أن الانسان مختار لاعماله ، نجده في جملة من افعاله تصدر عنه بغير ارادته ، دافعه للقيام بها غرائزه وطبيعة تكوينه الحياتي ، وهو يتدرج في سلم النشوء والارتقاء ، وعندما لا يجد ما يسد به حاجته للبقاء والتكاثر يندفع تلقائيا للقيام بفعل ما تلبية لغرائزه ، فان توافق مع القوانين الوضعية أو اللاهوتية نسميه خيرا وهو مثاب عليه إذن .

وإن خالفها أو خالف إحدها نسميه شراً فهو معاقب عليه إذن .

وعند ازدهار الحضارة الانسانية . كان الخير والشر عقبة تعيق النظيرين من الفلاسفة .

فكانت فذلكة الأمر بين الأمرين .

لا خير مطلق ، ولا شر مطلق . أي أن الانسان غير شرير بالطبع لأن من صفات صانعه الخير ولا يصدر عن الخير المطلق إلاّ الخير ، وان الشر لا يدخل العالم الالهي . ( ملكوت السموات والأرض ) .

والذي نسميه شرا هو من صنع الانسان لأنه جبل من مادة وروح ، واثناء وجوده عير الازمنه ألجأته حاجياته الحياتيه أن يسمي الأعمال الصادرة منه بأسماء للتمييز بين الضار والنافع بين الخير والشر ، وهذه المسميات وضعية للدلالة مثل : دلالة عقرب الساعة على الوقت ، فمنهم من اعتبر الزوال أول الوقت ، ومنهم من جعل الغروب الأول ، فلو يتفق أثنان على اعتبار أول الوقت لا في الزوال ولا في الغروب لصح لهما لأن الدلالة وضعية ، والوضع حالة قابلة للتغيير إذا تعارف عليها جماعة من الناس لأن الغاية منها تنظيم العلاقات الانسانية ، وضبط المواقيت للمسافات الزمنية في العمل والانتاج وما الى ذلك ، ومن هذا المنطلق عُرف الزمان ماضيا وحاضرا ومستقبلا ، فمنهم من يرى المستقبل تكرار للماضي ، ومنهم من يرى ان الانسان بمسيرته نحو المستقبل يمثل الحاضر بالتكرار المعدل ، أما الحقيقة فان الماضي صور متداعية ليس لها أي ترابط بالحاضر والمستقبل لا بتكرار الصورة ولا التبادل في المعنى .

أمس الذي مرّ على قربهِ

 

يعجز أهل الأرض عن رده

 

 

وهذا المفهوم لا يمنع من الاعتزاز بالتاريخ والتراث بل يؤكد الانتفاع منهما لبناء المستقبل بعقول متفتحة على الحياة المليئة بكل معاني الخير والانسانية ليزدهر المستقبل ، وتتحقق الآمال الطموحة نحوالحرية والانعتاق والرقي والسمو في اخلاق فاضلة ، وصفات حميدة بعيدة عن الدجل والمداهنة والغش والنفاق والكذب ، وهذه الصفات هي أُس الشرور والفتن والكراهية والحروب بين بني الانسان منذ القدم الى يوم الناس هذا .

إن سعادة المرء تنتت من أعماق نفسه ، وإن الاطارات الخارجية التي قد تساهم في سرور الانسان وراحته ليست هي سبب السعادة أو الشقاء .

 

وان السعادة غير الظهور

 

وغير الثراء وغير الترف

 

ولكنها في نواحي الضمير

 

إذا هو باللّوم لم يكتنف

 

 

عزيزتي  :

اطلت عليك اليس كذلك وإلا فما هذا التفلسف الذي أكتبه لمثقفة واعية مثلك عاشت الزمان وابناء الزمان فازدادت خبرة وتجربة واستفادت عظة وفاضت خيرا وعونا ، ولماذا هذه الشقشقة ولا شك سيطلع عليها شريك العمر الوفي وهو أديب ومثقف محنك اعترك الزمان وخاض المحن فعجمها وعجمته فحضلا مدركا لمقالي عالما ببواطن الأمور وتجارب الأيام .

الجواب : أيتها الفاضلة ينحصر في مقدمات ثلاث اسهبت في شرحها :

الأول : عالم المجهول ، الغيبي بالنسبة للبشرية .

الثاني : طبيعة الخير والشر ودلالاتهما .

الثالث : ماهية الزمن بالنسبة للمكان حاضرا وماضيا ومستقبلا .

وبهذا التدرج المنطقي أريد حلاً للحقيقة فيما يشرق الناس به ويغربون من مفاهيم وحلول في المسيرة الواعية نحو الكمال الاخلاقي والانسجام بين البشرية للتفاهم والمحبة ، وأنتِ أعز مخلوق عندي يفهمني يفهمني جيدا بالنظرة البريئة ، كنت تشاركيني قضايا الانسان والمصير ومعرفة اللاهوت والروحانيات وعلاقتها بالنفس الانسانية مؤثرة ومتأثرة ، كنا دائما نتحدث لنجد لنا أولا مكانا في هذا الزمان والمكان ، وكلها تسميات تعارف عليها المجتمع ووضعها الواضع لرسم الطريق نحو الهدف المنشود أطمأنانا للنفس وكبت للنزوات وما يعلق بالنفس من تبدل وتغير في المعقول واللامعقول ، الجائز والممنوع ، لادراك الغاية وتقرير الملائم في زمن تنطع بالأغراض والأمراض وتقنع بالمغريات والمفتريات فكان الكابوس علينا ثقيلا والاحساس بواقعنا مرهفا ونتيجة ذلك وجدنا التيار بجرفنا بالهواجس والرعب بعيدا عن الوطن وملاعب الصبا نحو المصير المجهول تعيش القلق ونطلب المستحيل ، وإلاّ فقد كنا في دعة واستقرار وسعادة وأمان ، حياة كريمة وعيش ناعم .

 

وكنا في اجتماع كالثريا

 

ففرقنا الزمان بنات نعش

 

 

الثريا : مجموعة كواكب مجتمعة تتشابك لمعانا في حزمة ضوئية واحدة .

بنات النعش : مجموعة كواكب متفرقة لكل واحد منها لمعانه الخاص .

فالأخوة والاخوات تباعدت بهم الديار وشغل كل واحد منه بمفردات الحياة اليومية التي لا تنتهي صبحا ومساء وكاتب السطور وأمهم تحمل أعباء الشيخوخة والثرثرة ونجهل أبسط قواعد الحياة الجديدة ، فلا الضحكات العاليه ، ولا تلك الابتسامات الحلوة ، واللحظات المرحة ولا ولا الى آخر قاموس اللآت ، أين ذاك الاجتماع وأين الدفء والحنان ، والتعاون والاطمئنان .

 

مضى زمن لعبنا به

 

وهذا زمان بنا يلعب

 

 

نعم كل ذلك ذهب مع الريح بحماقة جاهل مستهتر عميل حاقد نفذ وينفذ ما دربه عليه الاستعمار

كأن لم يكن بين الحجون الى الصفا

 

 

 

نديم ولم يسمر بمكة سامر

 

     

 

فكانت الحصيلة آلاف الضحايا وآلاف المشردين والحبل على الجرار وهذي المقدمة الأولى الخوف ، ونحمده تعالى لأنه انتشلنا من المجهول الذي كان ينتظرنا وهو المقدمة الثانية ، أما الثالثة من المقدمات فهذا المستقبل المجهول الذي يلفنا في عالم الغيب والظلام فلا رؤيا لما تقرره الايام .

 

والليالي من الزمان حبالى

 

كل يوم يلدن كل عجيب

 

 

أجل أنني أخدع نفسي بالادعاء ان الحياة التي انشدها والتي ابعدتني عن بغداد والنجف والكوفة هي الحياة التي أحياها الآن في دمشق .

هل يعني ذلك أن أحاسيسي وحالتي النفسية وأنا في بغداد لن تتبدل كثير عن أحاسيسي وحالتي النفسية وأنا بدمشق .

وأعترف ان في هذه الخاطرة الكثير من الحقيقة ، فالحقيقة التي استطيع ان اعترف بها لنفسي ولا اظهرها في تعاملي مع الأهل والاصدقاء أو في رسائلي الى الابناء والأحبة هي أنني فرضت على نفسي نسقا من الحياة ظننت انه كل ما كنت اريده ... فاذا بي أجابه القلق نفسه والفراغ نفسه والمتاعب نفسها الذي كنت اجابهها في العراق .

ماذا اريد أذن ؟

وقبل ان اثقل دماغي بجواب كنت اعرف انه لن يكون الجواب الحقيقي والنهائي .

وهنا أعترف بقول المعري :

ابوكم آدمٌ سنَ المعاصي

 

 

 

وعلمكم مفارقة الجنان

 

وتتداعى القناعات عندي :

أنني لم أخرج من العراق اشرا ولا بطرا لا أثما ولا غاوي أسفار ، إنما الذي أخرجني هوالذي أخرج الآلاف من بني وطني هروبا من الجحيم وحفاظا على الأعراض والكرامة التي وهبها تعالى في قوله : ( أكرمنا بني آدم ) .

اذن الخير من الله والشر من العبد ، وقد خدع العراق بسكانه ووقع في الشباك الذي أحكم له ولم لا وهو يملك الطاقات والكفاءات البشرية وتتخزن ارضه أوسع الحقول النفطية وأدومها الى غير ذلك من الخيرات ، وهذا ما حصل ايهاما لشعب العراق بالاحلام والآمال السعيدة التي تنتظره إن هو آمن بالمبادى والطروحات التي جاء بها أعداء الوطن والأمة العربية ولقنوها بدقة من الأعداء الطبيعيين أعداء الشعوب . ذئاب في ثياب الآدميين .

والى هنا أرتجع القول وما فائدة هذه الكلمات .

وقع الفاس على الرأس ، ولا يزال اناس كثيرون يعيشون في الاحلام ويركضون وراء السراب مخدوعين بالكلام المعسول الذي تبثه اذاعات الاعداء وينشره اعلامهم وبأن عدو الأمس هو المُخلص اليوم فالينتظر الموعود ليسود السلام وتعم الخيرات وكل هذا هراء لا طائل من ورائه واصبح الكثير من المشردين مرضى الاحباط واللامبالاة :

 

وياليت الشباب يعود يوما

 

 

 

لأخبره بما فعل المشيب

 

 

عزيزتي

كم وددت الاّ أرسل هذه الأوراق وامزقها هي عندي تعيش أسابيع وحتى لا أرغب في اعادة قراءتها ، وهي مدبجة بعبارات ومفاهيم ليس لها محل من الاعراب كما يقولون ولوعرضت على عالم نفساني لأمكنه التشخيص ولعله مع كت

وما أسفي على الدنيا ولكن

 

على إبل حداها غير حاديها

 

 

وعلى ذكر الغربة تذكر قول الشاعر :

وآخر :

من قالَ أن الغربَ أحسن منظر

 

فلقد رآه بمقلةٍ عمياء

 

 

على أني أعيش متوحداً في البيت لا أخرج الا غراراً اشتغل بالقراءة والكتابة ولعلي أصل الى نتيجة علمية فيما يخص الآراء الحكمية الموروثة .

عافت نفسي معرفة الآخرين مهجرين ولاجئين وصحافة معارضة ، الجميع عندي كما قيل :

يتجمع الأقطاب ياكل بعضهم بالحقد بعضا        يتفحصونَ مشاكل الدنيا سماوات وأرضـا

أيُعالجُ المرضى اطباءٌ بذاتِ الجنب مرضى

أيضاً :

 

لو كان فينا حياةٌ يا جميل لما

 

طالت لدنيا حياةٌ الخائنين سنه

 

عندي سواءٌ لعمري في الخيانةِ من

 

خان البلاد ومن ابقى على الخونه

 

ومعذرة عن التأخير لأنني أجتاز حالة نفسية صعبة

كُنتُ أسقى وأغنى

 

صرت أسْقي وأغني

 

 

ولعن الله الذي فرق شمل العراقيين شذر مذّر وإن بعضهم يعيش بسعادة وخير واصبح في غنى لا يهمه العراق ولا أهل العراق ولعلّه يدعو لصدام وظروف العراق التي اخرجته من الظلمات كما يقولون :

 

اين كُنا ولاتَسلْ كيف كُنا

 

نتعاطى من الهوى ما نشاءُ

فسبحان مقلب القلوب والأحوال .

ولازم بطوناً جوعتْ بعد شبعها

 

فان طباع المرء لا تتغيرُ

 وفارق بطوناً اشبعت بعد جوعها

 

فان بقايا الجوعْ فيها مخمّرُ

 

الداعي وان كنت ولله الحمد أتم صحة ونشاط رهين الغرفة والكتاب ، في وحشة قاتلة تتحكم بمشاعري في الغربة فلا صديق اراسله ولا خليل اسامره ، يسنح بي الخيالل الى أيام زمان كنت التقي أفاضل الناس ، واتعايش مع خيرة الخلان ، وهذه الوحشة القاتلة التي تتحكم بمشاعري وان كانت البلاد عربية اللسان ، وكلما فيها محبب وجميل لكن المللّ يساورني ويشدني الى الوطن المضاع والاحبة والديار وليالي الفرات وشواطئ دجلة ، ويشتد بي الحنين وتكتسب عندي اشد الأشياء بساطة في بغداد والكوفة وحواضر الطرق فان لها عندي قيمة كبرى حيث يهفو الفؤاد الى حوانيت الباعة والاسواق والطرقات والمقاهي والمتنزهات والى الأحبة الذين لا أعرف عنهم شيئاً والذين اعتدت رؤيتهم ومطارحاتهم في المنتدى العامر من بيتنا المتواضع ، فاين تلك الذكريات وكريم الخصال والظرف والاريحية ، كل تلك الذكريات تطوف بي مجمل اوقاتي في الليل والنهار وتتجمع عندي في روءً شاعرية ، كيف يحبو الابناء ، وكيف يتحدثون ويلعبون ، ويرسمون مستقبلهم ، وأنا في انتظارالمستقبل المشرق الذي يلفهم بناتا وابناء ، وكيف ان اهيء لهم مستلزمات السعادة والرضى ، وما الوسيلة التي يمكنني بنائها لسلم صعودهم في مدارج الحياة والمتسقبل الأفضل .. الى غير ذلك من تداعيات الماضي وصور الحاضر الباهت ، وما لاقيته والاقيه من معاناة وجفاء وجفاف في خضم هذه الأوقات المبعثرة ، والى أين تقف عجلات الزمن وتصل السفينة الى المرفأ ، أو هكذا كنا ، وهل هو القضاء والقدر ، ام أن هنالك مداخلات ، وعُقد انباء الزمان ، الى آخرهذا الفلم ، وما كل ما يتمناه المرء يدركه :

ولو أن الغريب غدا مليكاً

 

ونالَ من العُلى أقصى مُراده

 

لباتَ وقلبهُ يُصلى بنارٍ

 

لتربةَ أرضهِ وهوى بلاده

 

 

وأنا مصداق ما أقول :

ما تطعمت لذة العيش حتى

 

صرت في وحدتي لكتبي جليسا

 

ليس شيء أجل عندي من نفسي

فلم ابتغِ سواها أنيسا

 

إنما الذل في مداخلة الناس

 

فدعهم وعش كريما رئيسا

 

 

هذه مجمل أحوالي وهي تمثل احوالكم أيضا ، وسائر الكرام من أبناء الوطن ، وقد تحديت كل شيء في سبيل اسعاد فلذات الأكباد ، فلا دار ولا عقار ، ولا وجاه ولا هناء عندي اكثر من سعادة الأبناء ، ورفاههم ، وهذه سنة الله تعالى في خلقه فلم أجيء ببدعة ، ولم اساوي بحبي لهم وتضحيتي أصغر الحيوان بعطفه وحنانه وتربيته .

 

عليكم بداري فاحرقوها فانها

 

تراث كريم ليس يخشى العواقبا

 

وايضاً :

 

ولو كان هماً واحداً لحملته

 

ولكنه همٌ وثانٍ وثالث

 

 

واقول :

أعزُ مكانٍ في الدنى سرجُ سابحٍ

 

وخير جليس في الأنام كتابُ

وأخيراً :

كل ابن انثى وان طالت سلامته

يوما على آلة حدباء محمول

 

 

ولكم التحيات والاحترام . مع خالص المودة .

 

 

محمد كاظم الطريحي

                                                                        دمشق ـ سوريا