مجلة الثقافة الدمشقية

الدكتور الشيخ أحمد الوائلي

 

 

الطريحي .. وكتابه مساجد الكوفة

 

الدكتور الشيخ أحمد الوائلي

 

مجلة الثقافة الدمشقية

عدد( تموز - 1982 ) الصفحة (54)

   

                                                                                                                            

 

    آل الطريحي من الأسر النجفية العراقية ، التي يتوزع افرادها على المهن المختلفة من تجارة و زراعة وحرف أخرى، ويتوفر قسم كبير من الأسرة على طلب العلوم بحقولها المختلفة ، ففيهم رجل الدين الفاضل ، والاديب النابغ ، والطبيب النطاسي ، والمدرس الماهر ، والباحث القدير .. وهكذا .

          وفي الوقت الذي تختلف فيه الأسرة في اتجاهها المادي والعلمي تتفق في حمل سمة موخدة تلك هي الطهر والبراءة التي عرفت بها هذه الأسرة مع ذكاء حاد وسمات كريمة ترتفع وسمات كريمة ترتفع بالبراءة عن مستوى الغفلة ، ولقد عايشت هذه الأسرة طالباً صغيراً مع بعض افرادها وصديقاً وجاراً مع الأسرة كلها مدى سنين طوال فما وجدت وايم الله الحق الا كل ما يبعث في نفسي الاعتزاز بها واحترامها .

          ومن بين بيوت هذه الأسرة التي هي موضع احترامي بيت الشيخ كاتب الطريحي رحمه الله فقد كانت بداية معرفتي لبيت هذا الرجل هي أنني كنت في حفل عرس من الحفلات التي اعتدنا نحن النجفيين اقامتها فيما بيننا بالتبادل حيث يحتفل بالمتزوج من قبل لداته واصدقائه وتكون الحفلة من حلبات الأدب التي تتبارى فيها الاقلام وتكثر فيها المداعبات والنكات اللاذعة الحارة ، وكان ان انبرى الشيخ كاتب بتعليقه على أحد أبيات القصيدة التي كان الشاعر ينشدها ، وكانت نكتة تميزت بالحرارة والظرف مما أوجب أن يشتد الضحك وتعقبها نكات ويومها سئلت عنه وعرفت اسمه وبيته ثم توالت الاتصالات بصورة مباشرة وغير مباشرة فكنت كلما اتصلت به ازددت له حباً لما يحمله من روح لا تعرف الحقد وثغرلا يعرف الا البسمة ولسان طلق لا يترك شاردة ولا واردة الا وينقلها ليشعرك بالاحاطة بالمعلومات والموسوعية الذهنية ، وكنت أتولى الخطابة الدينية في بعض مجتمعات الكوفة فكنت دائماً اجتمع به وكان يسره ان نكون في ديوانه نشرب عنده القهوة ونتمتع بمجلسه المنوع . وبحكم ذلك عرفت ولده الاستاذ كاظم الذي لا يقل عنه حباً للعلم والادب ، وباقي أفراد الأسرة الذين منهم أولاد الاستاذ كاظم ومنهم مؤلف هذا الكتاب الشاب السعيد المهذب الطلعة ، فرأيت فيه روح الأسرة بكل ما لها من خواص أو أبعاد وما في الاباء ترثه الابناء .

 

تاريخ مساجد الكوفة    

 

 

وقد لفت نظري فيه أمران :

          الأمر الأول ، روح الدأب والمثابرة على استكناه المعرفة ومواصلة البحوث وبشكل يكبر على سنه ومجالاته الاخرى مما ينبئ له بمستقبل زاهر في حقل المعرفة .

والأمر الثاني وفاؤه للكوفة وأهلها المتمثل في ارتياده مختلف أبعاد الكوفة والكتابة فيه بروح تلمس فيها الحرارة مما ينم عن حماس أصيل غير مفتعل ، فكتابة عن آثارها الحضارية ، وأخرى في شخصياتها ، وثالثة عن مؤسساتها الدينية .. وهكذا .

          ولقد قرأت له الكثير من ذلك ، وكان مما قرأته له هذا الكتاب الذي بحث فيه حول مساجد الكوفة سبراً واستقصاءاً واستكناها لملامحها العامة وأحوالها المختلفة ، وجاء الكتاب موفقاً في بابه ، ومما يضفي على الموضوع أهمية ما يحتله المسجد من مكانة هامة في حضارتنا وتقويمنا ، وما لعبه من دور هام في بناء الشخصية الاسلامية فما كانت المساجد في تاريخنا مجرد دور للعبادة وان كان ذلك أبرز أهدافها وأفعل وسائلها في تربية النفوس ولكنه بالاضافة لذلك محل اجتماع المسلمين الذي يوفر فرصة معرفة المسلمين ببعضهم البعض الآخر واطلاعهم على مختلف شجونهم وشؤونهم مما يحمل على التعاون ونبذ التناحر والتكاتف وذلك من أبرز أهداف الاسلام ، وفي الوقت نفسه ما افترقت المساجد عن مؤسسات العلم فهي مدارس لمختلف العلوم الاسلامية والثقافة العربية ، وهي مكتبة تتوفر فيها مصادر المعرفة في كل أبعادها ، وهي منتدى تتبارى فيه القرائح وتشحذ فيه المواهب ..

وبكلمة مختصرة ،المسجد نافذة تطل على الاسلام في أبرز خواصه فلا غرو اذا قال النبي (ص) :

(( إن المساجد تضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الأرض )) ، فهي ضوء للمعرفة وضوء في طريق تقويم السلوك و ضوء لتنوير الأفكار .. الخ .

          وبقدر ما للمسجد من أهمية تكون الكتابة فيه ، لذا فهو بحاجة الى قلم موزون وواع كما أن القلم الذي ينصرف الى الكتابة في مثل هذه المواضيع من الاقلام التي قيظ لها أن تكون موفقة وعلى نصيب من الايمان وما نحتاج اليه في ظرف كهذا عادت فيه الدنيا صحراء خالية من ورقة خضراء أو شجرة ذات ظل .

          وبعد هذا فالكتابة في مساجد الكوفة لا بد لها من الوقوف على مسجدها الرئيس وجامعها العظيم الذي كان وما زال فيه عبق ذلك العملاق الامام أمير المؤمنين (ع) وطيوفه التي تفرض نفسها على كثير مما له من طيوف بهذا البلد مرتاداً المسجد .. والاثار سواء كانت ريادة مادية أو تفاعل فكري مع آثار الكوفة والمعنوية ، فالكوفة مدرسة الامام علي عليه السلام ومعقل شيعة الاسلام ورمح الايمان وجمجمة العرب .

          فعسى لقارئ هذا الكتاب أن يأخذ نصيب من هذا العطاء ويشرب من هذا المنهل وتحية لثرى الكوفة المقدس وتقدير للكتاب والكاتب . دمشق 15 شعبان 1401 هـ