
المرجعية الشيعية الواقع .. وتحديات المستقبل
السؤال المطروح الآن في الأوساط الشيعية المتنورة في العالم ، وفي ظل الظرف الملبد بأنواع متعددة من المشاكل :
هل المرجع الحالي أو أيّ مرجع من المراجع المعاصرين قادر على السباحة ضد التيار والخروج بالطائفة الشيعية إلى برّ الأمان ؟
.. ماذا يمكن أن نستشفَّه اليوم عما سيؤول إليه وضع الشيعة في المستقبل .
في معرض الإجابة عن هذه الأسئلة لابد لنا ابتداءاً أن نتطرق إلى إشكالية مزمنة طرحت نفسها بشكل حاد جداً في الأوساط الشيعية
مع غياب آخر المرجعيات الكبرى في أواخر القرن الماضي (السيد روح الله الموسوي الخميني والسيد أبو القاسم الموسوي
الخوئي) وأعني بذلك إشكالية تعيين المجتهد الجامع لكافة شروط التقليد لدى الجمهور الشيعي الذي بدأ يتنامى قوة وثقافة ووعياً ،
خاصة وأن آلية ترشيح المرجع واختياره لم تزل هي هي وان اعتقد البعض انه لم يعد الأسلوب القديم في اختيار مرجع التقليد
مسوّغاً ولا مقبولاً لكافة شرائح المجتمع خاصة بعد تطور وسائل الاتصال ، وكثافة الإعلام المرئي والمسموع وتباين الدعايات
السلبية أو الإيجابية عن هذا المجتهد أو ذاك ، وسهولة نشرها مع تيسّر وسائل التقنية الحديثة مما يسبب إرباكاً شديداً في ذهنية
المتلقي لتلك الدعايات من أفراد الشيعة الذين يختلفون في مستوياتهم الثقافية مع نسبة غالبة لا يستهان بها من المؤمنين الأميين
الذين لا يفقهون الكثير مما يجري حولهم من الأمور ، بما فيهم من أنصاف المثقفين الذين لا يتورعون عن إصدار الأحكام المرتجلة
بهذا
الشأن بل هُم تبع الشيوخ يضلونهم أو يهدونهم إلى المرجع الأعلم كل بحسب وجهة نظره
وقياساته
Ä
.
وفي خضم هذه التغيّرات المتلاحقة برزت في الوسط الشيعي حركة وعي تحمل جملة تساؤلات كثيرة تمس موضوع التقليد بالذات ،
واتسعت دائرة الأتباع ومتبنياتهم الفكرية ومدى ما أصبحوا يعيشونه من هموم ومسائل استجدت على الساحة ، واستحدث بعض
العلماء شرطاً أساسياً في تحقق الأعلمية في الوعي السياسي والاجتماعي ، والإحاطة العميقة بما يجري في العالم من تغيرات وأحداث . وكل هذه المتغيرات والمدّعيات أدّت بالتالي إلى تجاوز الخطوط الحمراء بحيث تولّد هناك اتجاه – في طور النشوء – يرى أن التقليد لا يستوجب شرعاً الارتباط بمجتهد معين مسمَّى !! وأن من حق كل مكلَّف أن يختار الحكم الشرعي الذي ينسجم مع إرادته وذوقه وذلك من أي مجتهد كان !!
هذا بعض ما يدور في الأذهان ، فإذا ما أخذت هذه التساؤلات مداها ستكون لها انعكاساتها الخطيرة ، والمطلوب ترشيد هذه الظاهرة إلى حلّ مقبول يبدأ بالمراجعة النقدية لجميع الظواهر السلبية التي رافقت وترافق أجهزة المرجعيات المختلفة ، ومن ذلك الفشل الكثير الذي سجلته مواجهة ذوي الصدارة الفقهية في مستوى الإحباط لاستيعاب الجيل الشيعي الجديد وما يعيشه من خيبة الأمل في مستقبل طموحاتهم الدينية من جهات كثيرة أهمها إثراء العديد من المجتهدين ورجال الدين بمستوى لا ينسجم أبداً مع افتراض القدوة في الدين والعطاء والتضحية ، سواء في سوء الإختيار للإرساليات التي أصبحت تعج بها محافل اوربا وغيرها وهي لا تملك من القدرة والوعي وتقدير المسؤولية أو في هذا التحالف الصامت بين بعض الرموز الفقهية والدينية وبين أصحاب المال والثراء . وهنا يحق لنا التساؤول عن المؤسسة الرائدة التي ترعى مصالح المرجعية الدينية بالقدر الذي تؤدي فيه دور الرسالة الكبرى التي تناسب مسؤولياتها في الحاضر والمستقبل ؟؟ وإذا صح الجواب على وجود ملامحها في مدن المرجعية المقدسة فأين إشعاعاتها وانعكاساتها على ساحة الواقع في المهاجر الإسلامية أو في بلاد المسلمين التي أصبحت فيها حركة الإستبصار لمذهب أهل البيت على أوسع نطاق ! أين هذا الدور الريادي الذي يقدّم بين ظهرانينا فقط ، ويعيش في أكنافنا لا غير .. أين نحن من الإضطهاد الذي تمارسه سلطات الطغيان ضد الشيعة ، وإذا كان يصح في الماضي القريب السكوت أو الحوقلة بناء على أن المؤمن مبتلى ، فإن الدنيا اليوم بالرغم من موقف أسيادها ضدنا ولكن توجد هناك منافذ نستطيع أن نتحرك من خلالها .. وإن نوصل أصواتنا إلى ذوي الشأن في المنظمات العالمية التي أسست لحماية حقوق الإنسان ، والتي تجتهد جادة في مساعيها للقضاء على صور الإضطهاد الديني .
إن التشيع اليوم يعيش فرصته الذهبية لترسيخ كيانه العقائدي ، وإن دور النشر والترجمة والدوريات تعمل ليل نهار لخدمة تراث آل البيت (ع) ، ولكن أين هذا من عملية الصيانة ومشروع حماية أبنائنا الذين أصبحت تهزهم الهزات شرقية وغربية ، وأين نحن من مستوى الخطاب الذي ينفذ إلى أعماقهم ويجسّد فيهم طاقات الولاء إلى عمل نافع وليست إلى موجة التشكيك وردة الفعل تجاه معاناتهم من إشكالية المرجعية الرائدة ..
كل هذه الأمور ساهمت بشكل جدي في خلق هذه الفضاءات الجديدة التي إن لم ترافقها عملية ترشيد عميقة حذرة فإنها قد تؤدي إلى نكبة ، وعليه يجب أن لا نستبشر دائماً بالصحوة ، بل لابد أن ننظر إلى مستلزمات ديمومتها وحيويتها وقدرتها على تخطي الصعوبات ، وهي بحاجة إلى مجتهد ماهر حاذق يفصل بين معالم اليقظة ومعالم الغفلة ، ويحدد للأمة مسارها الجديد حتى لا تتعثر بلا نظم فكري نظري يكبح من طاقتها القابلة للإنفجار السلبي ، وبخلاف ذلك فسوف يتشتت الوجود الشيعي الذي شيده آل البيت الأطهار والعلماء الأبرار والشهداء الأحرار عبر قرون متطاولة من الجهاد المستمر الدؤوب . ثم اننا في بداية قرن جديد ، بما يحمله من مفاهيم جديدة ، ولن يتعايش مع هذا القرن أو يتفاعل معه إلا وجه جديد تتوفر فيه مستلزمات التجاوب مع معطيات المرحلة ، فهل ترى أن شخصاً مهما كانت كفاءاته أدار المرجعية هذه الأعوام يملك العصا السحرية لأعوام أخرى من النجاح .
إن من حق المسلم الشيعي اليوم أن يُطالب الأجهزة المرجعية أن تخرج من صمتها وتشعر الناس بوجودها وتلبي حاجات الأمة الملحّة ، وعليها تطهير الطبقة الروحانية ممن يحمل سمة العلم الشريف بدون مؤهلات علمية حقيقية ، وتطهير المنبر الحسيني من المتطفلين والعابثين .
إن من حقه أن يطالب بتحويل الجهاز المرجعي إلى ورش عمل مرتبة ومنظمة على أساس إشباع الحاجات الفكرية والسياسية والتربوية والقيادية للأمة . ومن حقه أن يطالب بخطة عالمية شاملة تتسع للظروف الطارئة ومن أجل إيصال كلمة الحق إلى أبعد نقطة في هذه الدنيا .
والأمة ترمق بكل أمل ولهفة أن تزول الخلافات بين رموز المرجعية ورؤوسها البارزة التي يرجع إليها الناس في التقليد والفتوى والإنقياد والإرتباط ، وأن تكون أجهزة المرجعية كياناً تكاملياً يعمل في معادلة متعاضدة من الجهود والوسائل والغايات .
ولابد للمرجع من النظر الآن بصورة واقعية إلى العوامل الموضوعية التي تخص الوجود الشيعي في ظل النظام العالمي الجديد ، وفي كل مكان يوجدون فيه ، وأن يأخذوا في حسبانهم الإمكانات الشيعية المتوفرة هنا وهناك ...
المشاكل الوطنية والسياسية التي تهم الشعوب ..
حقيقة نظام الحكم القائم ..
العلاقة التأريخية الاجتماعية بين الشيعة وأهل المذاهب والديانات الأخرى ..
المستوى الثقافي للشيعة ..
أطر التفكير والعطاء ..
مواجهة التحديات المعاصرة ..
كل هذه الأمور لها مدخلية في تشخيص الإتجاه الأسلم والمناسب .. ثم ها هنا مسألة حساسة جداً .. لماذا هذا الإهمال القمعي لأهل الاختصاص الزمني في بلورة الاتجاه الأكثر صلاحية وجدارة ، ففي الطائفة الشيعية حالياً آلاف من أهل الاختصاصات الراقية في السياسة والإعلام والإقتصاد والإدارة والعمران .. الخ وبينهم مَن هو أقدر في تحديد الصورة العملية لكثير من الأمور التي تخص المرجعية ، ولو افترضنا أن أكثر الاتجاهات المطروحة وجدت لها وسطاً ، فإن هذا لا يمنع أبداً من إيجاد صيغة تعاون مفصّلة بين الرموز المنشئة والمكونة ، أبداً ، ليس هناك أي تعارض في الفهم إلاّ إذا تقدمت الذات على الأمة ، والحاضر على التاريخ ، والأ بّهة على الحقيقة .
إن غياب (المشروع الشيعي) المواكِب للمستقبل عجّل في ظهور التنافر في ساحة المرجعية وانعكس على أبناء الطائفة فأهدر من قيمة الأمّة واستدعى نوعاً من الانكفاء الفكري ، والضغينة بين المؤمنين فضلاً عن المرجعيات ، وكان الضحية في كل ذلك هو حلم الأمة الشيعية المشترك ، الأمر الذي أدّى إلى فقدان رؤيتها المستقبلية ، واهتزاز غاياتها الكبرى ، وهذا ما أضاف بُعداً جديداً في المعاناة لأبناء الأمة الذين يعانون أصلاً من عقدة تاريخية ، عقدة أنهم مضطهدون ضعفاء لا يستطيعون أن يقيموا دولة تضمن كرامتهم وحريتهم ولا أمل لديهم الآن إلا بالخلاص من تلك العقدة الموروثة عبر القرون ، بالتحرر من ظاهرة إلغاء الذات ، فمثلاً شيعة العراق خاصة لابد أن يفكروا بالحصول على حقوقهم كاملة وأن يبحثوا عن أوراق وعناصر الضغط التي تمكنهم من إرجاع كرامتهم المهدورة ، آخذين بنظر الإعتبار أن الغرب يهمه بالتأكيد أن يسود الإستقرار في العالم العربي عامة وفي الخليج العربي خاصة لضمان مصالحه النفطية ، وطالما بقيت القضية الشيعية بغير حلّ عادل فإن المنطقة لن تعرف ذلك الإستقرار ، وستظل مهددة بالقلاقل في كل حين وهو ما يعني أن العالم الصناعي الغربي له مصلحة أكيدة في إيجاد حلّ لتلك المشكلة المستعصية .
إن الثورة الشيعية في العراق ما زالت مستمرة ، برغم ما أصابها من وهن ، ولا تزال داخل الوطن قطاعات مناضلة لم يتسرب اليأس إليها بعد ، ومن ثم فإنها لم تلق سلاحها بعد ، ولا تزال أنشطة تلك القطاعات تمثل مصدراً للقلق والإنزعاج لدى النظام العراقي الذي أمعن في القمع والتقتيل والإضطهاد حتى طالت يده المجرمة خيرة علمائنا الأبرار في حوزة النجف الأشرف وسط سكوت مريب من جميع القوى خارج الوطن ، اللهم إلاّ من شعارات الحزن والأسف والتوعد المكذوب ، لأننا نعتقد أن الحق بغير قوة هو كالسلاح بغير ذخيرة ، ولو إنه في ذاته مهم ولكنه عاطل عن الأداء والفاعلية .
وليس الأمر مقصوراً على أوراق الضغط الشيعية فقط وإنما تكمن المحنة فيما هو أبعد حيث يعاني عموم الموقف الشيعي من ثغرات أساسية في الظروف المحيطة به ، وفي جوهر بنيانه ، فبالإضافة إلى مشكلة القيادة وسلبياتها كما شخصناها سابقاً ، فإن الشيعة يتعرضون اليوم للمضايقات وضياع الحقوق ودخول المعارك بغير نصير حتى من أقرب من يشاركهم بوحدة العقيدة والإتجاه الروحي حيث أصبحوا على قاب قوسين من تهميش المحنة الشيعية في العراق لمبررات إقليمية وسياسية معروفة.
وعلى صعيد آخر فإن الصورة التي خرجت بها المرجعية من أزمة الشيعة بعد فشل انتفاضة سنة 1991 تتطلب أن تستجمع مقومات نجاح تؤهلها لأن تمثل حضوراً فاعلاً في أيّ محفل يخدم شيعة العراق ناهيك عن سرعة الأحداث وتعاقبها التي تحكي استعدادها لما يجري في جنوب العراق ، وهكذا يزداد حجم الجراح الذي أصاب جسد المرجعية خلال العقود الأخيرة ، وعندما تكون المرجعية ممزقة ونازفة على ذلك النحو وبالقدر الذي تتقطع بينها الوشائج وتستعلي المرارات والخصومات ، ويشمل الإنهيار قدرتها العلمية فإن أيّ مباراة تدخلها الأمة وهي بحالتها تلك تصبح النتائج معروفة سلفاً .
إن علينا العودة إلى قوتنا الكامنة في وجودنا وعقيدتنا وفكرنا واسترجاع ذاتنا ، وان نستصرخ العالم ، كل العالم ، الحر ، من أجل قضيتنا العادلة فلن نجد حلاّ ً لها إلاّ بتكاتِفنا ورفع أصواتنا في المحافل الدولية ، والإعراب عن آرائنا وضم طاقات شبابنا وشاباتنا المثقفين تثقيفاً ممتازاً يُبرز قابلياتنا النوعية في هذا العالم .
إن توزع حدود 300 مليون شيعي على كافة أنحاء هذا الكوكب يستدعينا التفكير أكثر في
مستقبلنا ووجودنا فالعالم الحالي يتطور بسرعة فائقة جداً وهذا التطور التقني يرافقه
تحول في الذهنية وكلما تمت السيطرة على المادة كلما تحدث العقلانية العلمية تغييرات
هامة بات علينا أن نأخذها بعين
الإعتبار .
لابد من أن يتعايش الشيعة مع جميع أنواع الحضارات واستعمال جميع أشكال التغيير شرط ألاّ يمثل هذا الإشكال خيانة للروح والعقيدة .
نحن اليوم في مرحلة انقطاع زمني ، فالمنطق العلمي الجبار الذي ساد القرن الماضي والقرن الحاضر على وشك خسارة آخر مواقعه ، والنظم السياسية قد تجاوزها الزمن ، والعلم يطرح التساؤلات حول غائيته ، وكل من يدعي اليوم تفسير كل شئ من خلال نظرة أحادية ضيّقة سوف يرى نفسه وقد تخطته الأحداث ، بما في ذلك المرجع الذي يفترض أن يكون قائداً روحيّاً للأمة.
فالمرجعية تحتاج إلى من يحميها لا مَن يدّعيها ... إلى من يُحوّل الرؤى الماثلة إلى تيارات عملية رائدها الإخلاص .
وإلى من يؤدي رسالة الدين بأمانة وإخلاص
وإلى من يكافح العنصرية والطائفية وكافة أنواع الفساد وموبقات هذا العصر ويكون مجدداً كالأنبياء والمرسلين الذين ثاروا على الأوضاع الفاسدة ، وناضلوا من أجل العدل والمساواة والسلام والحرية .
فبراهين الإسلام قاطعة لكل لسان ، ولكن جهل الأدعياء بحقيقته وأهدافه وتهافتهم على الزعامة وسوء تصرفاتهم يحدث ردة فعل في نفوس الشباب فهل يتقي الله الذين يدعون إلى الدين صباح مساء بما ينفر ولا يبشر ، ويبعد ولا يقرب ؟
Ä ترى حتى لو ثبت بالأدلة الجازمة على أن الأعلم هو في العراق فهل ستقلده حكومة الجمهورية الإسلامية في إيران أم أن لها اسلوبها الخاص في الإختيار ، وإذا ارتأت
تقليده فكيف يكون تصرفها مع F حكومة العراق وماذا سيكون تصرف (الأعلم) في ظل الظروف السياسية التي يحياها في ظل دولة تعادي الجمهورية الإسلامية في كل
توجهاتها.