السيد عبد الرضا المرعشي الشهرستاني

بقلم : سلمان هادي آل طعمة

 

     لا يخفى على القارئ الكريم أن المجالس الحسينية التي تعقد بشكل منتظم في مدينة كربلاء ، لها سماتها وطابعها المميَّز ، فهي تقام في بلد الأمام الحسين بن علي (ع) حيث يمتزج فيها العلم بالعمل ، وتتصل القوة فيها بالفعل ، بما تحمله من دروسٍ عالية وعظاتٍ صادقة جديرٌ بأن نستلهمها ونقتبس منها ونمثلها في سلوكنا واخلاقنا مع إطلالة كل عام .

     لقد كانت هذه المجالس تُعقد في البيوت والمساجد والحسينيات ، تفدُ إليها الشخصيات العلمية والأدبية والدينيه وسائر الناس . ومجلسُ آية الله السيد عبد الرضا الشهرستاني إحدى تلكم المجالس المعمورة التي الفناها منذ مطلع الخمسينات وحتى السبعينات ، يرتاده العلماء الأعلام وائمة الأدب وأهل الفضل والوجاهة في داره الكائنة في محلة المخيم قرب زقاق السور ، وكان السيد عبد الرضا يقف بهيكله النحيف ووجهه الباسم عند باب الدار ليستقبل الغادين ويودع الرائحين ، لا سيما في الأيام الأولى من شهر محرم الحرام .  هذه الشخصية المرموقة سجل لها التاريخ مآثر لا تبلى وآثار لا تمحى على كرّ السنين وتوالي الأعوام .

     من الممكن القول بوجه عام أننا هنا حيال شخصية استثنائية لا يجوز أن تدخل في عداد شخصيات الناس العادية .

     هو كهف الأنام ، وثقة الإسلام ، عمدة العلماء العاملين ، ونتيجة الفقهاء والمجتهدين سماحة آية الله السيد عبد الرضا بن العالم الفاضل السيد زين العابدين بن آية الله العظمى مرجع الطائفة  ( السيد محمد حسين المرعشي الحسيني الشهرستاني المتوفى سنة 1315 هـ المدفون في الروضة الحسينية المقدسة خلف قبور الشهداء ) .

     ولد سماحته في مدينة كربلاء سنة 1340 هـ المصادف لسنة 1919م  ونشأ وترعرع في بيت عريق في العلم والفقه والتقدم والوجاهة ، ودرس في المدرسة الدينية ، وبعد إكمال المقدمات ، درس لدى الشيخ علي اكبر سيبويه والشيخ جعفر الرشتي متولي المدرسة الهندية الدينية، ثم توجه لدراسة السطوح ، فدرس المكاسب والرسائل والكفاية على يد العالم الجليل الشيخ يوسف الخراساني والفيلسوف الشيخ محمد رضا الأصفهاني والعالم المبجل السيد محمد طاهر البحراني ، ثم حضر درس السيد مرزا مهدي الشيرازي والسيد محمد هادي الميلاني والسيد عبد الحسين الحجة الطباطبائي والشيخ مرتضى الأشتياني وغيرهم من أساطين الفكر .

     عرفتهُ عن كثب ، وحبَّبهُ إلى نفسي ما فطر عليه من السجايا الحميدة إلى جانب ما يتحلى من خصال الجد والدأب والإخلاص في العمل مع المعرفة العميقة الواسعة .  دعا إلى إحياء الثقافة العربية ، والتراث الفكري الأصيل ، وأطلَّ على الآفاق الواسعة ، فلا تعود ترهبه بعد ذلك رهبة الطريق ، ولا تقعده مشقات الصعود .  وما الإنجاز الذي حققه خلال حياته العملية ، إلا الإنجاز الأكبر الذي بنى فيه مجده ، ناهجاً النهج الأمثل ، وليس أحد ينكر هذه الحقيقة من حق كل فئة أن تسهم في بناء المجتمع بجميع مجالات الحياة ، وهذا يعني أن تتاح الفرص لكل إنسان أياً كان ومهما كانت عقيدته ، لكي يجد موقعه في الحياة العامة ، بعيداً عن الحدود والحسابات الطائفية .  لقد كانت له شخصية مؤثرة ظل تأثيرها باقياً إلى يوم الناس هذا .

خزانة كتبه .

     خلف له والده مكتبة عامرة قيمة غنية بالنوادر والنفائس من التراث العلمي الإسلامي من الكتب المخطوطة لخطوط رجال الفضيلة والعلم والأدب ، وفيها من المطبوع الشيء الكثير .  وقد ساعدني ـ نور الله رمسه ـ في التعريف بالمخطوطات التي تكتنزها خزانته الجليلة ، فنشرت عنها بحثاً في مجلة [ المورد ] التي تصدرها وزارة الثقافة والأعلام العراقية ، مؤلفاً من قسمين ، بعنوان [ مخطوطات مكتبة آل المرعشي في كربلاء ] .  ولذلك بذل جهوداً في الحفاظ على هذا التراث الذي وصل إليه من آبائه .  لقد كان بيته محجة للزائرين ناهلي العلم من ينبوعه ، وكان هو محتكماُ في المستغلق من العبارات والأقوال والأحكام ومرشداً في تخيّر الموضوعات ومعلماً في الإحالة على المصادر والمراجع والمظان .  وكان في علمه كالغيث السخي ، يترقرق من علٍ في جداول تتوزعها جنبات الأرض .  كانت كتبه ومخطوطاته كالسبيل للشاربين ، لا يحجز كتاباً عن طالبه مستعيراً أو ناظراً فيه داخل المنزل أو في غرفته المطلة على ساحة المدرسة الهندية ، والكثير منها لم يعد إليه ، وفضلاً عما كان لهذه الكتب من قيمة علمية بذاتها فقد كانت هوامشها مطرزة بالتعليقات والتصحيحات التي دوّنها بخطه الرقيق الجميل .

 أعماله ومشاريعه :

     ساهم في معظم النشاطات الإسلامية في كربلاء ، لعل أبرزها / تأسيس مدرسة الأمام الصادق (ع) ومستوصف كربلاء الخيري ، والجمعية الخيرية الإسلامية والمكتبة الجعفرية بمدرسة الهندية ، ومجلة ( أجوبة المسائل الدينية ) وباشر بإمامة الجماعة في الحرم الحسيني منذ عام 1356 هـ ولغاية 43 عاماً ، وهي فترة زمنية قلّما تتاح لعلماء آخرين . وله مواقف مشرفة في الدفاع عن بيضة الدين الحنيف ، والذب عن حياض المسلمين ، تشهد بذلك مساهمته في النداءات والبرقيات التي رفعها علماء كربلاء والنجف والكاظمية أبان الأحداث السياسية التي مرَّ بها القطر العراقي ، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على أنه كان واعياً على مستوى المرحلة ، يجسدُ في حياته الشعار الذي رفعه أبو الأحرار الأمام الحسين بن علي (ع) وجسَّده بتضحيته وقراراته الشجاعة حين نادى في وجه الظالمين ( هيهات منا الذلة ) .

     وقد ضحى بكل ما يملك لتحقيق الأهداف السامية والأغراض النبيلة ، والسير في الطرق القويمة المحكمة التي يتبعها أئمة أهل البيت عليهم السلام ، العترة المنجبة ، أعلام الهدى ومصابيح الدجى الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً وجعل حبهم فرضاً في أعناق العباد .

    لقد كان صالحاً زاهداً ثقة ، موفور الوقار ، مهاباً ، علامةً ، مشاركاً في جملة من العلوم ، متضلعاً بها ، متمكناً منها ، مصنفاً فيها كالفقه وأصوله واللغة العربية وآدابها والكلام والتاريخ وعلم الفلك ونحو ذلك .  وله في كل منها نتاج يشهد بعلو منزلته . وقد بذل غاية الوسع ليمضي في طريق لاحبةٍ تحفظ للعربية أصالتها وبيانها ونهجها المنيع في التطور والنماء ويمنحها طاقة متجددة تستجيب بها لمتطلبات العصر يستقصي وينقب ويبحث ليقدم الرأي العلمي الدقيق  الحصيف مع الأناة وحسن التأني ، قد جمع صفتي العالم والمربي .

     عانى من قسوة الحياة القاسية المريرة التي لا ترحم ،  ووقف أمام المصاعب التي اعترضت سبيله وقفة الأسد الهصور ، صلباً قوياً لم تؤثر فيه قط، لأنه يمتلك الإرادة القوية والعزم الثابت وطموحاً يتحدى كل العقبات ، ولكن في داخله ثورة عارمة في أن يدرس ويطالع ويتعامل مع الكتاب ، وبالفعل فقد استقر رأيه على ذلك ، فما كان منه إلا أن يجدّ السير ويواصل الدراسة بعزم وحزم حتى صقل ذهنه وتفتحت قريحته ، وأعطته الحياة الكثير من التجارب والعبر ، وصنعت منه رجلاً يدرك ما حوله من أمور ، ويحقق ذاته ، ويعالج كل مشكلة من مشاكل الناس من منظار إسلامي ، وما أكثر المشاكل واكثر المعاناة لا سيما في عصر ٍ طغت فيه المادة ، وضاعت القيم والمقاييس والأخلاق ، لكنه لم يخلد قط إلى حياة الدعة والراحة ، بل عقد العزم والإصرار على أن يجالد في معترك الحياة ، حتى أصبح عالماً له وزنه ، شانه شأن آبائه وسلالته الطاهرة . وبذا حقق أمنيته التي كان يصبو إليها ، وذلك بالانصراف إلى الخدمة العامة بكل ما أوتي من إيمان راسخ وعقيدة ثابتة . وصال وجال حتى أثمرت جهوده ، وأصبح مرجعاً للأحكام الشرعية ، فتولى الأمور الحسبية وقبض الحقوق لصرفها في المشاريع عامة المنفعة للمسلمين .

آثاره المطبوعة :

1 ـ مجلة أجوبة المسائل الدينية ـ تأسست سنة 1371 هـ ، وصدر منها 18 مجلداً ، توقفت سنة 1389 هـ ، احتوت على أجوبة ما يقارب ثلاثة آلاف سؤال .

2 ـ  التفسير والعقائد

3 ـ  النيروز في الإسلام ـ طبع سنة  1371 هـ .

4 ـ  صلاة الجمعة في عصر الغيبة . طبع سنة 1380 هـ .

5 ـ  السجود على التربة الحسينية ـ طبع سنة 1388 هـ .

6 ـ  حياة الأمام الحسين بن علي (ع) .

7 ـ  الصلاة معراج المؤمن .

8 ـ  الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

9 ـ  التقويم الفلكي .

10 ـ الطريق المستقيم في بيان اصول الدين

11ـ المعارف الجلية في تبويب أجوبة المسائل الدينية .

وفاته :

     ويغيب هذا الرجل دون أن يلتفتَ أحد للكتابة عنه وعن جهاده ومسيرته العلمية ودوره الفعال في الفكر والدين (1) . أحجم الكثيرون وتوقفت الأقلام وأُسدل الستار عن هذه الشخصية الفكرية الفذة ، ولم يعد حديث عنها سوى حديث المجالس ، لقد كان اسماً مبجلاً معروفاً له صوته المدوي وشهرته الذائعة الصيت في كافة الأوساط العلمية إننا نطالب الكتّاب بالتوفر على دراسة آثاره وأفكاره وجهاده الطويل في خدمة الإسلام ، من حقه علينا أن نفصل القول في الكثير من جوانب حياته المهمة ، لنسدَّ نقصاً يحتاجه الكثير من الباحثين والقراء منذ الولادة حتى آخر لحظة من حياته ، وفي تصوّري إن هذه الطريقة هي اقرب وأفضل في فهم الشخصية واستيعاب حياتها ، لقد كانت بحق مرحلة خصب زاخرة بالعطاء بعد جهاد مرير في خدمة الشرع الشريف ومذهب آل البيت عليهم السلام والعمل الجاد الدؤوب ، ودع الحياة الفانية ، وسلَّم نفسه الى بارئها وذلك في يوم 28 ربيع الأول سنة 1418 هـ المصادف لسنة 1997 م ، ودفن في مدينة مشهد المقدسة ، وأعقب ثلاثة أولاد جلاءهم : السيد زين العابدين والسيد جواد والسيد علي حفظهم الله وأبقاهم ووفقهم لما فيه خير الناس .

مصادر البحث :

 1.  معجم المؤلفين العراقيين كوركيس عواد .

 2.  تراث كربلاء ـ سلمان هادي آل طعمة .

 3.  خزائن كتب كربلاء الحاضرة ـ سلمان هادي آل طعمة .

   4.  مجلة ( المورد ) البغدادية .


 

(1) كان  (للموسم ) شرف تأبين الفقيد الراحل من خلال المجلس التأبيني الذي عُقد في هولندا ،وكذلك من خلال المقال الذي كتبه رئيس التحرير في العدد (30 ـ 31 لسنة 1997) .