العودة إلى مجلة الموسم

 

 

ذكرى المهرجان الألفي لابن سينا 1954م

 

رأي لابن سينا في الاجتهاد يوضح اثنا عشريته

 

محمد كاظم الطريحي

اهتم الانسان في مختلف العصور والأدوار التي مرت عليه بأمور كان لها الأثر في تكوين حياته العقلية والاجتماعية .

فعلاقته بالأرض بما فيها من نبات وحيوان وما في باطنها من حجارة ومعادن مكنته من البحث والتقيب والاكتشاف. فتغلب على العقبات التي اعترضته ولا زال سائر الفهم ما خفى عنه والاستفادة منه .

                 وعلاقته بالمجتمع كونه لديه التعلق بالاسرة فالقبيلة ، والتطور في مراحل البداوة والحضارة والارتحال والتمدن فتمكن من معاشه وارتزاقه وحفظ مجتمعه بما استنبطه من الدساتير لحفظ نوعه وتحسين جنسه .

وبهاتين العلاقتين تعلق وشغف وتوصل واستهداف لأشرف علائقه وأجل غاياته بعلاقته فيما وراء الطبيعة واكتشاف المجهول منها وقد خضع لنواميسها ونظمها خضوعاً تاماً ، كما أخضع لها ما تحت تصرفه ومقدرته من المعارف والعلوم والفنون ، وكان في خضوعه هذا مرتاح الضمير والوجدان ، والعقل والروح مؤمناً بكل ما توصل إليه من النتائج والمعارف التي أنارت سبله ومهدت له السبيل لتجمعه وإرتزاقه .

وبذلك تكونت الحضارات وازدهرت المدنيات في الشرق والغرب وكان لنهضة اليونان الفكرية وأثرها البالغ في الصقل والتهذيب والتوجيه والترتيب . وكان للفلاسفة أسلوبهم الخاص في مقرراتهم عن الكون والمجتمع ، والظواهر الطبيعية ، كما كان لكل منهم اراءه في المعارف والعلوم ، وطريقته في البحث والاستباط . والأهداف متفقة على غاية واحدة لاتتعدى المعرفة الكلية في الموجودات وجزئياتها . ثم معرفة اللانهاية في الفضاء والنفس وواجب الوجود .

إلا أن الإتجاهات الفكرية والتوصل إلى المكتشفات في الزمن القديم جعل الفلسفة تفترق في طريق وصولها مبتدعة لكل فيلسوف رأي حتى اختلطت الآراء وكثرت الشعب ، وظهرت الأباطيل بجانب المنطق ، ثم تقلصت تلكم النظريات في معسكري الروح والمادة إلى أن إمتزجت بها اليهودية والمسيحية ، وظهر الدين الإسلامي فكان وسطاً لا شرقياً ولا غربياً جمع بين المادة والروح في حدود شرائعه ومبادئه كما أوجب البحث والتأمل في ملكوت السموات والأرض والتفقه بالمعلومات الفكرية والتوسع في المدارك الذهنية . فانكب المسلمون على التراث اليوناني ، ةأخذوا يغترفون من مناهل العلم والمعرفة .

وهكذا غمت الفلسفة الإسلامية في جو من التفكير العلمي والعدل الحر ، وكانت تدور أهم مباحثها حول وجوب واجب الوجود ، ووجوب النبوة والثواب والعقاب ، والحشر والحساب مضافة إلى معرفة طبع الانسان الداخلي وعلاقته مع بني جنسه حتى أصبحت الفلسفة من أهم الوسائل في نشر المعارف الاسلامية وغرس المبادئ الدينية في النفوس .

الا أن الجدل الحر والمناورات السياسية من ورائه أوجد الانقسام في العقائد المذهبية ، الانصراف لتدعيمها بالجدل الفلسفي وذلك مما اضطر قسماً من المذاهب إلى نقد الفلسفة وجعلها عنواناً للكفر والالحاد .

وكان من ثمار الفلسفة الاسلامية أن نبغ طائفة من الفلاسفة في أزمنة متفاوتة وأقطار مختلفة خلدهمالتاريخ بما لهم من الجهاد  المتواصل وما توصلوا إليه من حل المعضلات التي واجهتهم ، وما اكتشفوه من اسرار الحكمة فكان لهم الأثر الخالد في بناء النهضة الاسلامية وتوثيق أسسها .

وفي تقدم الانسانية مراحل كبيرة في الثقافة والعمران وكان أشهر من بقيت آثارهم ودونتأخبارهم وانتفع بمصنفاتهم الشيخ الرئيس ابن سينا قدس سره الذي نحتفل الآن بمرور ألف سنة على ولادته .

وفي عصر ابن سينا لم تنقطع الأسئلة التي لازمت التفكير الانساني منذ فجر حياته عن مظاهر الكون وما بعد الطبيعة ، فاجتهد رحمه الله في الإجابة عنها وشغلته هذه الاجابات معظم وقته كما حصلت له الأنصار والخصوم في مختلف الأزمان والبلدان .

ولعل من أهم مقومات شخصيته أخذه بمذهب الإجتهاد في جميع ما تناوله من العلوم والفنون . وكان لعقيدته الأثر الكبير في تكوين شخصيته لأنها قد تبنت في زمنه التفكير الحر والجدل الفلسفي للتوصل إلى الحقيقة عن طريق العقل ، والشرع ما قبله العقل ، لذلك نرى الشيخ قد صرح في ضرورة الاجتهاد في عدة مواضع من كتبه منها قوله في آخر القسم الالهي من كتاب الشفاء : ويجب أن يفوض كثير من الأحوال خصوصاً في المعاملات إلى الإجتهاد ، فإن للأوقات أحكاماً لا يمكن أن تضبط كما ظن جماعة من العلماء لأن المذهب الاسماعيلي يكتفي بالنص على الامامة تسلسلاً بدون التوقف والالتفات الى أن الامام هو المجتهد العادل الذي تجتمع فيه الفضائل وأهمها الفقه والشجاعة والحكمة النظرية .

هذا مضاف إلى ما أوجبه الشيخ الرئيس من وجوب النص في خليفة الزمان . وعدم موافقته لأبيه وأخيه في قبول مذهبهم ، وتهربه من ملاقاة السلطان محمود الغزنوي وما رمي من البهتان والاتهام والكفر والزندقة .   

ثم أقوال من انتصر له من أكابر علماء الامامية كالخواجه نصير الدين والعلامة الحلي وأضرابهما من المشاهير رحمهم الله وسلسلة تلاميذه التي لا تزال متصلة تروي عنه حتى اليوم .

كل ذلك يدل على إثنا عشريته وعلى أخذه بمذهب الاجتهاد . ولا يمكن للانسانية أن تطمئن في علائقها بالكون والمجتمع بدون العقيدة الاجتهادية في تفسير الأمور التي تواجهها كل يوم .لتساير الزمن وتستهدف الرقي والكمال .