
النجوم تختفي بصمت فادح
الأستاذ الدكتور
عبد الاله الصائغ
أمين عام منظمة أدباء بلا حدود ومقرها أمريكا الشمالية
(......أما حدثتك المدينة عن رجل ذاب من وجده فاعترته السنون ؟ أسألكم أهل ودي : لماذا يموت الأولى الطيبون ؟ لماذا الزهور تتساقط في العصف إلا العواسج لابثة بالجنون ؟ لماذا نودع في كل منعطف صاحباً لا يهون ؟ هي ذي حكمة الرب يا أهل ودّي !! أقل القليل الذهب ! وترب الصحارى من الهم أكثر !! أن نتناجى على الأرض أن نتعب من عشقنا . نلتقي في السماء . قلوباً موشمة بالضياء !! السماء ملبدة بالعصافير وكوفتنا الآن مرثية الأصدقاء ! فقم أيها النائم المستفيق وقل بيننا أي شيء فمقعدك الآن مختلج بين هذي الدموع الهتون !! سلام عليك منازل أهلي .. على نخلة أعذقت بالشجون ...)
إذن رحل (محمد كاظم الطريحي) على فراش الغربة والحلم العصي وشيخوخة الورد وتركنا في وحشة البرية !!! ولأن رحيله (أو رحيل أي عزيز على روحي وذكرياتي وحلمي) يعني بالنسبة لي موت جزء من روحي وكينوتتي فقد قررت شطب فكرة موته في أجندتي ولسوف أتحدث إليه أواليكم على أنه حي يرزق !! وفي الأثر الديني ما يفيد أن كل غربة من أجل كلمة الله وكرامة الوطن هي شهادة عند الله .
كنت أقول لنفسي أن الشيخ الطريحي لن يموت بعيدا عن وطنه ! عن بيته الهاجع على شاطيء فرات الكوفة ! وقد وعدنا رحمه الله (الدكتور زهير غازي زاهد وأنا) قبيل مغادرته العراق أنه عائد لا محالة بعد أن تشرق شمس الله على العراق ! (أخي وعزيزي عبد الإله الصائغ .... سافرت في الشهر الثامن إلى دمشق والتقيت الصديق القديم الشيخ محمد كاظم الطريحي وهو داهية في التعامل مع الغربة ويوجعه أن أولاده موزعون بين هولنده ولبنان والدنمارك وليبيا وهو يزورهم بين الحين والآخر كلما سمح له وضعه الصحي والتزاماته وقد انقضى الوقت معه بالذكريات ! وكان حين أذكر اسمك أمامه يقوم ويرقص طرباً فهو لم يتغير روحاً وظرفاً !!
د. زهير زاهد . طرابلس / ليبيا 25 ديسمبر 2000)
(صديق عمري د. عبد الإله الصائغ ... وصل إلي خبر حزين جداً بالنسبة لك ولي وهو رحيل صديقنا الشيخ محمد كاظم الطريحي رحمه الله في الدنمارك وكان آخر لقاء به قبل سنتين في دمشق وقد أخذت الشيخوخة منه مأخذاً لكنه محتفظ بروحه ومرحه فحدثني عن الجمال في الدنمارك وأخذته النشوة وكان ابنه الباقي في ليبيا الأستاذ محمد رضا الطريحي قد ذكر لي أن أباه ذهب للعلاج في الدنمارك .
د. زهير زاهد . طرابلس / ليبيا 25 جون 2002)
وحين هاتفني نجله الأستاذ الدكتور محمد سعيد الطريحي (وهو باحث دؤوب يدير مؤسسة أكاديمية الكوفة من منفاه المؤقت : هولندا ويرأس تحرير مجلة الموسم وكذلك صحيفة الديوان) من الدنمارك بعد أن حصل على رقم هاتفي من ولدي المقيم في السويد الشاعر المعروف عدنان الصائغ أنهى إلي أن والده رحمه الله آثر الاحتفاظ بديواني الأخير (سنابل بابل) ولبث معه إلى أن توفاه الله وكان معجباً بقصائدي في رثاء النخلة العراقية ! وها انني أستعيد في ذاكرتي مهاتفة ولدي الأستاذ محمد سعيد وأقول في نفسي : هل كان الشيخ الطريحي رحمه الله مكتشفاً وجه الشبه بينه وبين النخلة العراقية وهي السامقة المعذقة الدائمة الخضرة والظل ! النخلة المظلومة تلك التي تنكسر ولا تنحني أمام العواصف !!
كما أستعيد في ذاكرتي أيضا زيارة الأستاذ محمد سعيد الطريحي إلى الولايات الأمريكية تلبية لدعوة كريمة نهدت بها الجالية العراقية في ولاية مشيغن ليحاضر في ماضي الكوفة وحاضرها وسمع بطريق الصدفة أن صديق أبيه (عبد الإله الصائغ) مقيم في أمريكا ! فصمم على زيارتي في منزلي بمدينة ديربورن صحبة صديقين من أعلام الجالية هما سماحة الشيخ محمد نعمة السماوي رئيس تحرير موسوعة الثورة الحسينية والأستاذ أبو مسلم الحيدر وكان اللقاء حميماً مع أن كلا منا لم ير صاحبه من قبل !! وتبادلنا الأسئلة والعناوين والصور وشعرت أن الأستاذ الطريحي الإبن يعرف الكثير المدهش عني وعن أصدقاء أبيه فأكبرت فيه وفاءه وخلقه وعلمه الغزير فاجتهدت أن أهدي إليه المتوفر من أعمالي المطبوعة ووعدني بإرسال المطبوعات التي أصدرها (ولم تتح له الأيام فيما يبدو حتى يفي بوعده !!) ..
يقينا لقد رحل صديقنا الأسطوري الشيخ الطريحي وسيان في ذلك : اعترفت برحيله أو لم أعترف ! وقد آن الأوان لكي أردد مقطعاً ملتاعاً للشاعر الأمريكي المعاصر أرشيبالد مكليش (... بعد رحيلك لا شيء يحدث لا أحد يجيء ! ياللهول !!) لماذا تعجلت الرحيل يا سيدي الطريحي وتركتني أحمل بقايا العمر مثل سيزيف عراقي هجر الوطن معك بعد الخراب ولكن الوطن لابث فيه لا يغادره !!
لماذا تغيب الآن تحديداً والخمسة ملايين عراقي في المنافي يحزمون حقائبهم محشرة بذكريات العذاب والضياع والانتظار ؟ إذا أشرقت شمس الله على وطني وعدت وزهير زاهد إلى الكوفة وزرنا بيت الشيخ كاتب المطل على النهر فمن بحق السماء سوف يفتح لنا ذراعيه ويحتضننا معا ويتمتم حبورا : أهلا بالحبيبين النادرين ؟ وكيف سنطيق غرفة الاستقبال دون صوتك المجلجل والهامس معا !!؟ ومن يشرف سواك على ترميم بيتكم ويمحو عنه آثار الصاروخ الشوفوني الطائفي الذي هدم طابقه العلوي غب نكبة الشعبانيين !!؟ ومن سيطلب إلى أصغر أولاده أو أكبر أحفاده أن يجلب لنا من محلة السكة في الكوفة كباب حمزة الشهير !!؟ من سواك سيفتح لنا أحد الصناديق ويقرأ لنا ما دونته في الجذاذات منذ نصف قرن ؟! ... لا لن أبكيك أو أرثيك أيها الأستاذ الذي ينادي تلاميذه وكأنه تلميذهم ! أنت باق وأعمار القتلة قصار . باق في جهادك العلمي والديني والوطني . باق في نجومية أولادك النابهين المجتهدين الدؤوبين . باق في أصدقائك الذين تركت بصمتك العميقة في حيواتهم . باق في كلماتك العصية التي يمتزج في دلالاتها عناصر المجاز والحقيقة والتلميح والتصريح . باق في حب أهل الكوفة الصافي لتاريخ أسرة الشيخ كاتب !! .......................................
وماذا بعد يا سيدي ؟؟؟ والجواب هو ثمة الكثير الكثير !! وها انني أسأل نفسي : متى عرفتك يا شيخي ؟ وكيف ولماذا وأين ؟؟ ... أقول : النجفيون يعرفون آل الطريحي كما يعرفون السور والسراي والسوق الكبير !! كما يعرفون آل الجواهري والشرقي والشبيبي واليعقوبي وبحر العلوم والمرعبي والأعرجي والخاقاني والصافي والحبوبي .......
آل الطريحي : ذكرت كتب الرجال والأعيان عدداً غير قليل ممن تلقب بالطريحي منهم على سبيل المثال فخر الدين بن محمد بن علي النجفي صاحب مجمع البحرين ومطلع النيرين وكتاب المنتخب في جمع المراثي والخطب وكتاب غريب الحديث وكتاب كشف غوامض القرآن وجواهر المطالب في خطب علي ابن أبي طالب ومراثي الحسين ونزهة الخاطر وسرور الناظر وهو من العلماء الذين أثروا في تقعيد الأصول ويسروا السبيل للباحثين . ولادته 979هـ ووفاته 1085هـ وقد عاصرت بنفسي العلامة الألمعي (شيخ مولى الطريحي) صاحب الدراسة المشهورة والرائدة عن الشاعرة المبدعة قدعة الزيرجاوية وله جهود علمية كثيرة ليس هذا مجال تعدادها وصادقت الأستاذ شمسي الطريحي الشخصية الاجتماعية المرموقة الضاغطة والأنيق الوسيم ذا البديهة الحاضرة ! وتشرفت بمجالسة سماحة الشيخ كاتب من خلال صداقتي لولده الشيخ محمد كاظم ! ومن لا يعرف مقام الشيخ كاتب !!؟ الرجل المتميز بعمة مشرقة وقامة نحيلة صاحب المكتبة الفخمة والمساجلات المشهورة مع أعلام زمانه من نحو شاعري ثورة العشرين : الشيخ الخطيب محمد علي اليعقوبي والشيخ علي البازي والشيخ عبد المنعم الفرطوسي والشيخ عبد الغني الخضري والأساتذة الأدباء علي الخاقاني وجعفر الخليلي ومحمد علي البلاغي ..........
وأما صديقي الشيخ محمد كاظم الطريحي الذي يكبرني بربع قرن تقريباً ! فقد كانت أخباره متداولة في المجالس الأدبية وما أكثرها عهد ذاك وبخاصة مساهمته الفاعلة في مؤتمر الكندي الذي عقد في إيران والسرد الظريف لسفره وانتقاء موضوعه !! وكان الحائل بيننا وبين صداقته كامنا في المجايلة وكونه علماً ونحن فتية في مبتدأ الطريق !! ثم تربيته الدينية الصعبة ! وقد عرف عن الشيخ كاتب تشدده في الأمور التربوية والدينية ! زد على هذه شخصية محمد كاظم الاجتماعية المركبة فليس بمقدور أحد كسب صداقته بيسر ! وهو الحذر المحتاط !!
أستعيد الآن مطلع ستينات القرن العشرين : تشكلت ندوة الآداب والفنون المعاصرة في النجف الأشرف في أجواء التدهور الذي حاق بالشعر النجفي التقليدي والصراع غير المتكافيء وغير المسوغ بين القدامة والحداثة فعقد الحالمون بأدب صاف (فتيان ندوة الآداب والفنون المعاصرة) لقاءات متصلة وحوارات ساخنة في عدد من المقاهي : عبد مذبوب وأبو المسامير في النجف ومقهى السيد علي والبلدية وقصر الملك في الكوفة وكان أ؟هر مؤسسيها : الشاعر زهير غازي زاهد والشاعر عبد الإله الصائغ والناقد زهير الجزائري والقاص موفق خضر والقاص جاسم الحجاج والقاص موسى كريدي والشعر عبد الأمير معلة والطالب حميد المطبعي ...
وكنا نقوم بزيارات ودية لعدد من أعلام النجف والكوفة وكربلاء والحلة أذكر منهم الإمام الخوئي قدس الله سره والسيد مصطفى جمال الدين والشيخ محمد علي اليعقوبي والأستاذ عباس الترجمان والشيخ عبد الله الشرقي والأستاذ مرتضى فرج الله والأستاذ مدني صالح والأستاذ محمد علي الخفاجي والأستاذ عبد الجبار عباس (الذي طردنا من دكانه في الحلة شر طردة معترضاً على وجود بعض البعثيين معنا في الندوة) ثم وجدنا مودة كبيرة من الشعراء اللبنانيين المقيمين في النجف بغية الدراسة في كلية الفقه لبث في الذاكرة منهم السيد هاني الفحص والسيد محمد حسن الأمين والشيخ عبد اللطيف بري (وسماحة الشيخ عبد اللطيف بري الآن مفتي الجالية الإسلامية في مشيغن ومؤسس المجمع الإسلامي الذي يتوفر على مدارس متعددة المراحل ومكتبة فخمة ودار للإفتاء والدراسات الحوزوية وقاعات كبرى ويصدر بالعربية والإنجليزية مجلة العصر الإسلامي) .
ونصحنا السيد مصطفى جمال الدين وكان حميماً معنا بضرورة ضم عنصر مهم إلى عضوية الندوة وهو الشيخ محمد كاظم الطريحي للانتفاع بتجربته العريضة ونزعته لرعاية الشباب وقد سعدنا بهذه النصيحة فكلفنا على الفور الشاعر والأكاديمي الوحيد بيننا زهير غازي زاهد الذي عرفته المحافل الأدبية النجفية معتدل الهوى منصف النظرة بين التيارين المحتدمين عهد ذاك : التقليدي والتجديدي !! فامتثل على الفور وزار الطريحي في بيته ولم يغادر بيته قبل أن يحصل منه على الموافقة الصحبة ويحدد موعداً ومكاناً للقاء المرتقب !
وقد التأم الشمل في حدائق قصر الملك فيصل الثاني رحمه الله الذي تحول إلى كازينو باذخ البهاء بعد الإطاحة بالعهد الملكي ! وميزة هذا المكان قربه من بيت الشيخ كاتب الطريحي وأن مديره صديق قديم غلب عليه لقب جاسم حكومة !! لكثرة علاقاته بأساطين الأجهزة الحكومية ! وقد ترأستُ ذلك الاجتماع ورحبت باسم جميع أعضاء الهيئة المؤسسة بالعضو الجديد الشيخ محمد كاظم الطريحي واعتددت انضمامه إلينا مكسباً كبيراً للندوة وأثنيت على جهود زهير زاهد . وما أشد دهشتنا حين رفع الطريحي يده طالباً الكلام وقبل أن ينتظر جوابي بادر إلى القول : وأنا سعيد فعلاً بثقتكم الغالية بيد إنني لم أعط موافقتي النهائية !! وأنا رجل بسيط لكنني لا أتخذ قراراتي ببساطة ! لنكن صريحين حتى نرى الموضوع عن قرب ونحكم له أو عليه ! هل أنتم حزب سياسي جديد ؟ هل أنتم منظمة لا هم لها غير الأدب ؟ أهناك جهة ما تمولكم أو تصطف وراء الكواليس ؟ أنا أعرفكم صدقوني وأعرف أيضاً عدم وجود قواسم مشتركة بينكم !! فيكم القومي والماركسي والبعثي والمستقل !! بل إنني أجد بينكم المتطرفين للحداثة والمغالين في القدامة !! كوكتيل ؟ جبهة وطنية أدبية ؟ كلكس ؟ إعذروني فمركزاي الديني والعائلي لا يسمحان لي بوضع قدمي في موضع زلِق ! ..
وقد فهمت مخاوفه وتعاطفت معها فأكدت له أن المنظمة أدبية حداثوية بحتة ولا شأن لها بأهواء الأعضاء فلكل إنسان حقه في اختيار سبيله السياسي إذا كان ذلك لا يسيء إلى الأخلاق والوطن وأنت كما أعلمنا مصطفى جمال الدين أديب ومتدين ومؤمن بحرية الاختيار . وثق أن منظمتنا ستكون بلا رئيس أو مدير لأنها ستتبع نظام المائدة المستديرة !
وشدد زهير زاهد على حبنا للنجف وللتقاليد المشرقة وهنا فقط استراح الشيخ الطريحي وقال : على بركة الله ولكن تذكروا جيداً أن النجف عاصمة دينية ثقافية واحذروا من أن يساء فهمكم فتحترق أوراقكم وتحرقونا معكم .. فقلنا نحن نتفق معك وما إصرارنا على وجودك معنا إلى دليل عملي على حرصنا وحذرنا وانفض الاجتماع الودي ونحن أشد ثقة بوعورة الطريق الذي اخترناه وحساسة الزمكان الذي سنشتغل في فضاءاته ثم استجبنا لمقترج العضو الجديد الذي يقضي باجتماعنا الأسبوع القادم في الطابق الثاني في بيت الطريحي ومسوغ الاقتراح كامن في رغبة سماحة الشيخ كاتب للالتقاء بكامل هيئة الندوة المؤسسة وتكوين فكرة واضحة عن طموحات الندوة ومدى أهلية أعضائها للعمل في محيط النجف قبل أن يأذن لولده ابن الخمسين للانضام إلى الندوة والعمل في هيأتها المؤسسة !!
ومرت الأيام العجلى فالتقينا في الأسبوع اللاحق .. وهكذا ضم مجلس الشيخ كاتب رحمه الله فتيان ندوة الأدب والفنون المعاصرة ! وكنا نشعر على نحو ما أننا بإزاء رجل صعب أو امتحان صعب !! وخفف من ارتباكنا مشهد الغرفة الكبيرة في الطابق الثاني التي تطل شبابيكها القديمة وشناشيلها الأثرية على نهر الفرات مباشرة بل وتتناهى إلى مسامعنا إيقاعات أمواج النهر وهي تجري أو ترتطم بطابوق شريعة الماء ممزوجة برائحة الماء وشميم أشجار الصفصاف ! زد على ذلك هيأة الشيخ كاتب بعمته المتميزة وجسده المغرق في النحافة تحف به مكتبة فخمة تتوفر على آلاف المجلدات والمخطوطات النادرة ! ووقف ولده بين يديه مثل تلميذ مرتبك قبالة معلم صارم وقال له : سيدي الوالد ، هؤلاء الأدباء الشباب الحالمون بتحديث الأدب النجفي ! بل العراقي ! بل العربي .
وبدأ الشيخ الإبن يشير بيده المرتعشة إلى كل واحد منا مع خلاصة ببليوغرافية عنه والشيخ الأب يهز رأسه ويقول : أهلاً وسهلاً وأكدنا لسماحته أننا نحترم النجف عاصمة العلم والثقافة ونحلم بأن يتخلص الأدب النجفي مما حاق به من حيف بسبب تسلط اعتبارات تافهة لا صلة لها البتة بالأدب بله الدين فهز الطريحي الكبير رأسه موافقاً ولم يسأل أو يعلق فقد تناهى إليه صدق لهجتنا وما أوصله إليه ولده من تطمينات ! وشربنا الشاي وانصرفنا مغتبطين وحين صرنا بعيدين عن بيت مضيفنا طفقنا نغني مفعمين بالنجاحات التي أنجزناها بوقت وجهد مناسبين ... وبدأت وفود الأدباء تزور بيتنا في الكوفة وبيت الطريحي مباركة تشكيل الندوة أتذكر : سركون بولص ويوسف الحيدري وباسم عبد الحميد حمودي وهاشم الطالقاني ومحمد رضا آل صادق وعبد الرحيم محمد علي وعناد غزوان وسامي مهدي وجليل القيسي وحميد سعيد والسيد السعبري والشيخ عبد الرزاق الأسدي البغدادي ومحمد علي الخفاجي ...................
وبدأ مشوارنا مع الجمهور بإقامة مهرجانات أدبية كبرى وجدت لها صدى واسعاً لدى أدباء العراق وصحافته وقد استطاع زهير زاهد وعبد الأمير معلة وهما مدرسان بارزان في ثانوية النجف إقناع إدارة الثانوية ومجلس المدرسين بتبني الندوة وتخصيص القاعة الكبرى للاحتفالات الأدبية وكان الشاعر الكبير والمناضل المعروف الأستاذ مرتضى فرج الله قد وضع بين أيدينا تجربته العريضة وملاحظاته الحاذقة فكان الصديق الفذ للندوة !! والمهم أنني لاحظت عدم ارتياح واضح لدى الشيخ محمد كاظم الطريحي !
والأهم أن الشيخ صارحني بشأن استقالته من الندوة وحين لججت في معرفة المسوغ ولم يمض على عمر الندوة بعد الثلاثة أشهر !! أجابني وهو يهمس أحزانه : كلكس مولانا (وتلفظ كلكس بفتح الأحرف الثلاثة وتسكين الحرف الرابع ومعناها : الضحك على الذقون والنفاق) وأضاف : أنت وزهير لا تعرفان ما يدور في الخفاء وذكر لي الأسماء التي تسعى إلى جر الندوة إلى تبني فكر سياسي محدد تكرهه المدينة وهم تحديداً : موفق خضر وعبد الأمير معلة وحميد المطبعي وأشار علي أن أنبه زهير زاهد وزهير الجزائري !!
وبعد قبول استقالة الطريحي بفترة وجيزة احتدم الخلاف بين عناصر الندوة فانسحب موفق خضر زاعماً أن زوجه المذيعة المعروفة الأستاذة ملك مهدي (عملت مدرسة في ثانوية النجف للبنات ونالت بعد موت زوجها درجة الماجستير في الأدب الإنجليزي وميدان أطروحتها أعمال موفق خضر القصصية والروائية) علمت بطريق الصدفة أن الجنرال عبد الرحمن عارف رأس جمهورية العراق الأسبق (الحاكم الهش الذي ورث كرسي الرياسة عن أخيه بيسر وتخلى عنه للبعثيين بيسر!!) كلف من يتجسس على موفق خضر لأنه أحد أبرز أصدقاء علي صالح السعدي !! وقال موسى كريدي بسخريته المطبوع عليها : يا سبحان الله أقول ليش أمورنا مليوصة تبين الرئاسة تركت شؤون البلد كلها واكتفت برصد حركات المسكين موفق خضر الذي يخاف من ظله !!
وانسحب جاسم الحجاج (نزيل النجف والمدرس الثانوي القادم من البصرة) بل اختفى عن الأنظار بعد أن اكتشف جيرانه أن أخته التي تعيش معه في بيت العزوبية ليست أخته ! وإنما هي امرأة هرب معه دون أن يعرف زوجها وأطفالها وأهلها أين اختفت ومع من !! وانسحب حميد المطبعي وهو يشعر بالإهانة بعد أن طرده أستاذه وصديقه عبد الأمير معلة من الفصل وكان المطبعي تلميذاً مشاكساً ومغروراً في ثانوية النجف وقد تأخر في الدراسة مع أنه أكبر سناً من مدرّسه عبد الأمير معلة وكان زميلي في مدرسة الغري الأهلية المسائية وزميل موسى كريدي وعبد الأمير الحصيري وزميلي في متوسطة الخورنق وأصدر فوراً مجلة الكلمة على هيئة حلقات مستغلاً ثغرة منورة في قانون المطبوعات عهد ذاك ومستفيداً من عمله في مطبعة الغري التي يمتلكها أخوه الأكبر وغريمه عبد الرضا المطبعي ، وقد زايدت الكلمة في مقولة اليسار ولبس حميد المطبعي لبوس الأممية والماركسية وتطرفت كلمته في الصراعات الأدبية وصبت جام غضبها على الأصالة !! والتحق به موسى كريدي !!
كانت خطب الكلمة تتحدث عن الديمقراطية وحرية الفكر !! وصدق ادعاءاتها كثير من الأدباء المرموقين : نزار قباني وسعدي يوسف وعبد الواحد الخنيزي وبشرى البستاني وعبد الرحمن طهمازي وجليل القيسي وإسماعيل فهد إسماعيل ويوسف الحيدري ومحمود جنداري ...... وألخ ألخ !! .... لبثت المودة بين الشيخ محمد كاظم الطريحي وزهير زاهد وعبد الإله الصائغ عميقة وصلبة وكنت أنقل إليه نجاحات الندوة التي كسبت ثقة أدباء مهمين مثل صالح الظالمي وجميل حيدر ومحمد حسين المحتصر وسعيد علي والأدباء في المحافظات وكان يصغي إلي بانتباه شديد ويشاطرني السرور ثم أعلن يوسف الحيدري أن جيل الستينات بدأ من النجف وبمباركة ندوة الآداب ووافقه أدباء آخرون (وهو إعلان ينقض زعم الأستاذ فاضل العزاوي بأنه وجماعة أدباء كركوك جيّلوا أدباء الستينات !!)
كنا نزور الشيخ الطريحي باستمرار (زهير وأنا) فهو يحبنا ويحترم فينا احترامنا للأجيال كافة وكراهيتنا للتطرف الذي كان وما زال أبرز سمات جيل الستينات مع الأسف ! وكان الطريحي دائم الثناء على الأخوين زاهد أو الأخوين صائغ في المجالس الأدبية والاجتماعية مما أسهم في كثرة حسادنا وشانئينا ونحن في نظر الطريحي توأمان !!
وكلما زرناه في مكتبته الفخمة (التي أحرق صاروخ شوفوني طائفي نفائسها بعد كبوة نهضة شعبان مباشرة) وجدنا لديه آلاف الجذاذات ومئات الدفاتر التي تمثل فصولاً من كتب ينوي تأليفها وكنا نلومه لأنه لم يحن بعد !! وها إنني أستصرخ همم أولاده النجباء وجلهم أكاديمي واستصرخ مروءة الباقين من الأدباء والمثقفين في الكوفة لكي يبحثوا عن الصناديق المفقودة ففيها كنوز الطريحي بل وفيها روحه ! وقد حاورت سماحة السيد الدكتور طالب الرفاعي الحسيني رئيس أكاديمية الإمام علي في ولاية أوهايو الأمريكية ذات لقاء بشأن طريقته في جمع الجذاذات والملخصات والمخطوطات في صناديق منذ ربع قرن وقلت له إتق الله في علمك وجهدك وذكرت له حكاية صناديق صديقنا الشيخ الطريحي وجهوده التي منحها نصف قرن من عمره وصحته وقد ذهبت مع الريح !! .........
في بداية الثمانينات من القرن الماضي وكنت موزعاً بين العمل التلفزيوني والصحفي والتدريس في جامعة الموصل وكان الدكتور زهير زاهد أستاذاً في جامعة البصرة وقد حكم عليه رئيس جامعته الدكتور حسن داخل جريو بالعمل المؤبد في البصرة وعرف هذا الجريو بعشقه للبعث ومقته للعلماء المستقلين !! وفي كل مناسبة أو دونها كنا نزور صديقنا الشيخ الطريحي ونضحك بملء أشداقنا أو نحزن بكل جوارحنا حين نتبادل الآراء حول المصير الأسود الذي يسوّر العراق بعد طغيان العنصرية والطائفية والاحقاد التاريخية التي أضطلعت بها السلطات الظلامية !!
بدت لهجة الشيخ مختلفة بعض الشيء فهو يخطط للافتات من قبضة الرعب إلى البلاد البعيدة ليتم مشوار العلمي والثقافي ولم نكن نفقه ما يخططه الشيخ في سره !! وبعيد استباحة قوات القصر الجمهوري مدن الفرات الأوسط وبخاصة النجف والكوفة وكربلاء والحلة وما فعلته بالناس من هتك للأعراض وسرقة للممتلكات وتدنيس للعتبات المقدسة ودفن للأحياء في مقابر جماعية وحرث لمقبرة النجف (المعروفة إسلامياً وادي السلام !!) وووو!!!
زرت الطريحي الذي ترك بيته بعد أن استهدف البيت بصاروخ جبان ، فوجدت الشيخ كئيباً وكأن الأحدث هدمته بغتة فبدا وكأنه رجل فان طاعن في السن وصارحني بأن حياته في خطر أكيد وأن لديه الإمكان في تأسيس مشروع ثقافي تجاري شريطة أن يفلت من البلد قبل ضياع الفرصة !! وفي الذاكرة إنني سألت ابنة الشيخ وكانت تلميذتي في كلية الفقه : ما الذي طرأ على حياتكم بحق السماء !!؟ فأجابتني بهمس لا أكاد أتبينه يشي ذعرها الشديد : يا أستاذ .. العائلة كلها بخطر !! وأضافت كأنها تستدرك : لماذا تسألني وبمقدورك توجيه السؤال إلى الدكتور سعدون الساموك زميلك في كلية الفقه فلديه الكثير ليقوله !! وعندها تذكرت نظرات الريبة التي كانت ترسلهما عيناه الخضراوان حيت تريان هذه الطالبة المهذبة المتفوقة أو زميلاتها !! وكان الساموك وهو خريج ألمانيا لا يخفي على عميد الكلية ابن النجف غير البار الدكتور عبد الأمير الأعسم ولا يخفي على معاون العميد الدكتور حازم ميرزا الحلي (إشارة غير عابرة : الدكتور النجفي عبد الأمير الأعسم عميد كلية الفقه أساء إلى المدينة قبل الانتفاضة الشعبانية وبعدها ! وفصل عدداً من طالبات الدراسات العليا بدعوى ميولهن الدينية وكلف أحد المدرسين الحمقى بإدارة القاعات في امتحانات نهاية العام وكان هذا المدرس الذي طلب إليه الدكتور عندنان محمد سلمان خلال المناقشة أن يقسم بالمصحف الكريم على أنه لم يسط على أطروحة نوقشت في القاهرة فأقسم دون أن يرف له جفن !! كان هذا المدرس يصر على تفتيش الطالبات النجفيات وحين امتنعت إحداهن عن هتك حجابها أمامة بغية التفتيش صفعها هذا الأحمق !
وقد هز هذا التصرف المشين جماهير النجف الأشرف التي تهيأت للاقتصاص من العميد وصاحبه !! والحكاية محفوظة في إرشيف كلية الفقه !!) ولم يخف الساموك مهمته عنا نحن أعضاء هيئة التدريس أيضاً !! فهو جنرال مخابرات كبير وأن لديه مهمة أمنية محددة في كلية الفقه التي كانت تدار بصورة مباشرة من قبل مدير أمن النجف وكانت عمادة الكلية تجمعه بنا صباح كل سبت على مائدة الإفطار وأصبح هاجس الموت بسموم الثاليوم يدمّر أعصابنا ووقارنا !!
ولسوف يطلع القاريء في مذكراتي على دور عمادة الكلية في الإساءة للنجف ورموزها الوطنية والدينية والاجتماعية من خلال العبث بمقدرات الطالبات والطلاب ودور الدكتور الأعسم في إغلاق هذه الكلية العزيزة وهو الذي وقع بأيدي ثوار شعبان وسجنوه في غرفة داخل حرم الروضة الحيدرية مع الشاعر الشعبي فلاح عسكر وآخرين ثم أفرج عنه قبيل تنفيذ حكم الموت فيه بثلاثين دقيقة وفي مذكراتي تفاصيل هذه اللوحة !! وبعيد انسحاب فتيان شعبان من الكوفة والنجف سقط كما قلنا قبل هذه أحد الصواريخ الجاهلية على بيت الطريحي فهدم الطابق الثاني وجاءت النار الطائفية على أنفس مكتبة في الكوفة ولم يعد أحد يعلم أين ذهبت أسرة الطريحي !! فاظلمت الدنيا في عيني وأدركت أن وراء الأكمة أمراً ما !! ....
الدكتور زهير جاءني في ضحى يوم عصيب والعرق يتصبب من جبينه والقلق باد عليه وقال لي هيا نودع الشيخ الطريحي قبل فوات الوقت !! قلت له ما الحكاية دخيلك ؟ فقال تعالى معي وفي السيارة نتحدث ! وعلمت كل شيء ووقفت بنا السيارة قبالة بيت بغدادي قديم في شارع مهمل قريب من شارع أبي نؤاس ودخلنا البيت عجلين وكان في استقبالنا الشيخ الطريحي وفتح ذراعيه وعانقني وسمعته يبكي بحرقة أبكتني ووجدت حقائب السفر مركونة بشكل غير منتظم ودارت أحاديث متشعبة بيننا فهمت من خلالها أن لدى الشيخ الإمكانية إذا غادر العراق في أن يؤسس مشروعاً ثقافياً ربحياً معاً وأسر إلي أشياء أخرى خاصة لا مسوغ لكشفها الآن !
كان مشهد الوداع فوق طاقة احتمالي وتمنيت لو أنني فرد في أسرة الطريحي لكي يأخذني معه فأنا الآخر أنتظر القبض علي بعد أن ورد إسمي على لسان أسير شعباني بث التلفزيون العراقي اعترافاته !! وشعرت بأن الأرض تدور بي فخفت علي لأنني ما زلت في عقابيل جلطة قلبية كاربت أن تجهز علي وخرجت على عجل تفاجأ به الطريحي وزاهد !! فنسيت على الطاولة المفاتيح بل نسيت ما هو الأهم خاتم الحظ الذي ورثه أجدادي عن جدي الكبير الشريف الإمام يحيى بن الحسين النسابة (نقيب النقباء) والمتوفى سنة 251 هـ مكتوب بالخط الكوفي القديم على درته من الأسفل : كهيعص العزة لله وحده والمؤلم أنني تذكرت ما نسيته في اليوم الثاني بعد أن سافرت عائلة الطريحي إلى المجهول وللآن أحلم أن أعثر على هذا الخاتم في وقت ما !!
وغابت عني أخبار الشيخ الطريحي تماماً حتى التقيت مطلع عام 1992 في مدينة طرابلس بليبيا نجل الشيخ الطريحي الشاعر الدكتور محمد حسين الطريحي الذي يعرفه عامة العراقيين مذيعاً تلفزيونياً وسيماً وخجولاً وكان اللقاء بيننا أكثر من حار ويعود فضل لقائنا المستحيل إلى الفيلسوف العربي الكبير البروفسور الدكتور أبو طريف مصطفى الشيبي متعنا الله بعلمه وبقائه فهو الذي دعاني للغداء على شاطيء البحر الأبيض المتوسط خارج مدينة طرابلس وفاجأني بوجود الدكتور الطريحي معه وعلمت من الطريحي الصغير أن أباه نزيل دمشق وكان هذا الشبل من ذاك الأسد فأسدى إلي كثيراً من اللطف والمودة وكان يدعوني (خالو) فجميع أصدقاء الشاعر عدنان الصائع من جيل الثمانينات يستسيغون مناداتي (خالو) وعمل هو حصول موافقة مبدئية لكي يدرس (الراء مشددة مكسورة) صديقه عدنان الصائغ في جامعة سبها بوصف عدنان مبدعاً كبيراً ومعروفاً جداً في ليبيا وطلب من عدنان ثلاث صور فوتوغرافية حديثة له فأرسلها عدنان على الفور وهو لا يعلم عن الأمر شيئاً حتى هذه الساعة !!
وعلمت أنا من جهتي على توفير دعوة للشيخ محمد كاظم الطريحي تنهد بها رابطة الأدباء في ليبيا ممثلة برئيسها الصديق أمين مازن ومديرية الدراسات العليا في جامعة الفاتح ممثلة بالصديق الدكتور الصيد أبو ديب وقد كان لي ما أردت فالشيخ الطريحي بدراسته الحوزوية وثقافته الخاصة موسوعة في علم تحليل النص وقلت لطلبتي في الماجستير والدكتوراه انتظروا محاضرات واحد من أبرز علماء تحليل النص ولكن ظروفاً طرأت جعلتني أرجيء المشروع مؤقتاً !! وعمل الشاعر الطريحي بالتنسيق مع الأديب السوري أحمد زياد محبك على أن تتبنى جامعة سبها إعادة طبع كتابيَّ : الصورة الفنية معياراً نقدياً والزمن عند الشعراء العرب قبل الإسلام ولم يكتف بذلك فما أن سمع أن عدنان الصائع في الأردن يعاني من مشكلات خطيرة حتى سافر إلى الأردن والتقى صديق عمره عدنان وذلل له العديد من مشاكله وعاد إلى ليبيا !
وكان العزيز عدنان الصائغ لا يمل الحديث أمامي عن صديق طفولته وابن مدينته محمد حسين الطريحي وحسن عمل الطريحي مذيعاً في التلفزيون وزاد عدد المعجبين به والمعجبات أقسم عدنان يميناً أمام أصدقائه أن لن يهدأ له بال حتى يعض محمد حسين الطريحي في خده جهة البروفيل ويترك عليه أثراً يخفف من وسامته وربتما خاف الطريحي من عدنان فهو أعرف مني بجنونه وحرصه على تنفيذ اليمين !! ....................................... (خالي الحبيب عبد الإله الصائغ ...... وتحياتي للشاعر الخرافي المجنون محمد حسين الطريحي الذي أحبه بوسع ما في هذا العالم من حب وجنون وقسماً وأكرر القسم سأعض خده هذه المرة حقيقة من كثر اشتياقي فالقبل بلهاء لا تكفي للتعبير عما في قلبي من حنين وبكاء ، تصور يا خالي كلما أمر على بيتهم المطل على الشاطيء أغص بالدمع وأنا أستعيد ذكرياتي مع فأجلس على المسناية مقابل بيتهم تماماً ولك أن تتخيل ماذا يفعل عدنان حين يمر على ديارهم الخالية !! قل لي ماذا أفعل أنا الشاعر المجنون كما وصفتني ذات صباح !!!؟؟
عدنان الصائغ 14 فبروري 1993)
.......... وبعد ........ يا قلمي فقد تعاملت مع رحيل صديق صباي وكهولتي العلامة الشيخ محمد كاظم الطريحي تعاملي مع الأحياء فمثله لن يغيب ! فأهديت للأيام تاريخاً منسياً بيد أنه مهم في ما أزعمه فقد ينتفع به الدارسون ويعتبر بسطوره المعتبرون ، صفحات كان فيها الشيخ محمد كاظم الطريحي فارس ذا العنفوان الشفيف فإذا كتبت ذاكرتي وأنا خارج من عملية القلب المفتوح التي صنعت لقلبي ستة شرايين جديدة مكان شرايينه الميتة فإن لدي فصولاً أخرى ولدى البرفسور زهير غازي زاهد أيضاً وقد يصل زاهد إلى أمريكا قريباً ففيها صديقه الصائع وولده البكر الأستاذ فرزدق زهير زاهد وعندها سنحقق أحلامنا القديمة فنصنع كتاباً يكرم أعلام الأدب والثقافة في العراق والمنافي وسيبرز أمامنا إسمان مهمان هما : مرتضى فرج الله والشيخ محمد كاظم الطريحي ولسوف أجهد على منح العلامة الطريحي (بصفتي الأمين العام للمنظمة العالمية أدباء بلا حدود) شهادة تكريم لجهاده العلمي والأدبي مختومة بختم المنظمة وجامعة ميشغن العريقة التي تجاوبت معنا وشاركتنا احتفالية تكريم سماحة السيد مصطفى جمال الدين السنة الماضية وهيأت لنا مستلزمات الاحتفال وقاعتها الكبرى ...... إذن لن أقول وداعاً وسأقول نلقيك قريباً في العراق الجديد وبشائر الفرج قادمة لا ريب وسنصنع كتاباً فيك وعنك وإليك .
فسلام عليك أيها الفراتي الأصيل والعالم الجليل والصديق النبيل :
يا طائرَ التمّ ** سلَّم على بغداد
قل لابنة العم : ** محمدٌ قد عاد
منطفيءَ الحلم ** بطلقة الصياد
وأحمل لها دمي ** للحظة الميلاد *
* النصان الشعريان مقبوسان من (سنابل بابل) والمقتطف من رسائل أ.د. زهير زاهد والأستاذ الشاعر عدنان الصائغ مقبوس من إرشيف عبد الإله الصائغ فاقتضت الإشارة.