كيف عرفت الشيخ محمد كاظم الطريحي ؟
الأستاذ الدكتور
جليل العطية
أذكر ! ذلك المساء الذي عرفته فيه .. كانت شمس سنة 1958 تغرب ومقهى البرلمان بشارع الرشيد في بغداد يمور بالناس ويضج بالحركة .
عندما دلفت إلى «زاوية الشباب» التي كنت أختلف إليها في المقهى ناداني «الشيخ علي الخاقاني» فلبيت نداءه . فإذا به يتوسط جماعة صافحتهم فرداً فرداً وجلست إلى جوار رجل أسمر في بداية الكهولة قدم نفسه لي مبتسماً :
ـ محمد كاظم الطريحي .
أدركت فوراً أنني قصرت في تقديم نفسي إلى الحاضرين ، وتلافى «الخاقاني» الأمر بلباقته المعروفة ، معتذراً بضيق الوقت ، وفهمت أن الحديث يدور حول انعقاد المؤتمر الرابع للأدباء العرب المقرر عقده في الكويت (من 20 إلى 28 كانون الأول 1958) وان الوفد العراقي سيكون برئاسة الشاعر الكبير محمد مهدي الجواهري ، والطريحي أحد أعضاء الوفد .
كان بركان تموز قد زلزل المنطقة .. والغيوم تتكاثف في سماء الوطن العربي ، لهذا توقع الوفد العراقي حدوث مشكلات ومفاجآت وهو ما وقع فيه وأشار إليه الجواهري في ذكرياته .
سألني الطريحي إن كنت أعرف أحداً من الأدباء الكويتين فأجبته بأنني أعرف الأستاذ فاضل خلف ، وهو أديب لامع ، عمل مدة طويلة في إذاعة الكويت وجرى حديث عن العراقيين العاملين في الكويت فيه الكثير من الطرافة ، ولم يعلق في ذهني شيء من هذا الحديث الشيق إلاّ ما رواه الأستاذ إبراهيم الوائلي «عن أيام الشاعر الظريف أحمد الصافي النجفي» والذي هرب من الكويت بعد أن صرعته شمسها الملتهبة .
وأثناء ذلك اللقاء تذكرت أنني قرأت كتاباً بتحقيق الشيخ «الطريحي» تحتفظ به مكتبة أسرتنا في الكويت وأذكر أنني سألت والدي عنه فأخبرني بأن آل طريح أسرة علمية عريقة ، معروفة في النجف الأشرف . كان عنوان الكتاب ديوان ابن كمونة (وأسمه محمد علي) وهو من شعراء القرن الثالث عشر الهجري والكتاب مطبوع في النجف سنة 1948م .
عندما عرفت الطريحي كان يعمل في مكتب تجاري يملكه أحد أقربائه ثم انخرط في سلك التعليم وحين عُيّن في لواء الكوت / محافظة واسط تعمقت صلتنا وتوطدت الصلة بينه وبين والدي وأخي خليل وبقية أخوتي وشهد والدي ـ رحمه الله ـ أن قدوم الطريحي إلى الكوت كان بركة لها ، فهي مدينة عرفت بالخمول والكسل وقلة العناية بالعلم والثقافة ، إلاّ أن الطريحي بما عرف عنه من نشاط وحيوية حرّك الجو الأدبي والعلمي فيها بفضل ما كان يجلبه إليها من كتب ومطبوعات أصيلة أو جديدة ، وبفعل حديثه المتحمس عن آفاق الحركة الفكرية والثقافية .
وعقد في بغداد مهرجان الكندي سنة 1962 فكان كوكبه ولولبه ، وقبيل انعقاد المهرجان انصرف إلى إعداد كتاب (الكندي فيلسوف العرب الأول ـ بغداد 1962) ، وهو من خيرة الكتب التي صدرت في تلك الفترة .
وكان لي أن أكون شاهداً على تأليف هذا الكتاب ، كان الطريحي يقضي أياماً كاملة في مكتبة الآثار والمكتبة الوطنية وغيرهما من المكتبات العامة .
كان الأستاذ كوركيس عواد مدير مكتبة الآثار التي كانت تقع في شارع المأمون ببغداد ، ولأنه باحث وعالم كان يقدّر حاجة الباحثين فكان يرفدهم بما يطلبون من مصادر ومراجع بلا تحديد وخلافاً للتعليمات الإدارية .
أما المكتبة الوطنية وكان موقعها قرب جسر الصرافية ببغداد فكان يديرها عدد من الموظفين ممن لا صلة لأغلبهم بالعلم والبحث فكانوا ينزعجون من طلبات العلماء ، فيحددون الاستعارة بثلاثة كتب ـ مثلاً .
كان الطريحي يلقي عنتاً من أعداء العلم وأنصاف الجهلة لكنه يأخذهم بحلمه ويتبسط وإياهم ، ويروي لهم الطرائف التي تجعلهم يلبون طلباته .
وعلى الرغم من ثقل تلك النهارات كان يطل علينا مساء في المقهى فيروي لنا حوادث يومه . وكان أكثر ما يؤلمه في مكتبات بغداد العامة التشويه والتمزق المتعمدين اللذين يجدهما في عدد من الكتب النادرة .
ومن طريف ما أذكر أنه سألنا مرة إن كنا نعرف محلاً يبيع الشطرنج ثم أوضح إنه يريد أن يقدمه هدية لموظف إحدى المكتبات العامة ، لكي يلبّي طلباته العلمية الكثيرة .
ومما وعته الذاكرة ليلة رائعة أمضيتها في دار «الطريحي» العامرة بالكوفة حيث كنا ـ الشيخ علي الخاقاني وأنا ـ قد زرنا النجف لحضور إحدى المناسبات الدينية ، وأظلنا الليل فطرقنا داره ـ على غير موعد ـ فأخذنا بالأحضان وأمضينا الليل بين مكتبته ومخطوطاته وأحاديثه الشيقات ، ودفع إلينا سلة كبيرة من الفواكه ـ كانت قد وصلت إليه هدية ، فكسرنا الليلة على ما ورد في بعض الكتب عن الفواكه ، أذكر منها طبعة قديمة من كتاب محاضرات الأدباء للراغب الأصبهاني .
وتكررت لقاءاتنا بعد ذلك في مقاهي بغداد ومكتباتها ومنتدياتها .
وأننا حضرنامرة مجلس الشيخ محمد رضا الشبيبي في الكرادة الشرقية ببغداد فدار الحديث عن الاستشراق والمستشرقين استهله الأستاذ عبد الرزاق الهلالي بالدفاع عنهم والتنويه بجهودهم في نشر التراث الإسلامي ثم عقب الطريحي تعقيباً اتسم بالموضوعية فذكر خدمات عدد من المستشرقين للحقبة الاستعمارية والتبشيرية وأثنى على جهود طائفة منهم بينهم ماسينون وبلاشير .
وحضرنا مرة مجلس الشاعر «خالد عبد العزيز الشواف» وإذا بالجلسة مكرسة لقصيدة الحصري الشهيرة ياليل الصبّ ومعارضاتها ، سلط الأستاذ «جمال الدين الآلوسي» ضوءاً على القصيدة وأصدائها وتوقف عند معارضة شوقي وعدد آخر من الشعراء المصريين والمهجريين ، وعندما فرغ الآلوسي من محاضرته الممتعة انبرى الطريحي ـ دون استعداد مسبق ـ ليروي أصداء القصيدة في العراق عامة والنجف خاصة . وقدم نماذج أثارت إعجاب الحاضرين خاصة معارضة الشيخ (محمد بن حمزة الملا) وهو من فحول شعراء الحلة .
وإنه شاعر لم ينل حظه من العناية والشهرة ويكفي ان نقول إن ديوانه يتكون من خمسين ألف بيت ويقع في خمسة مجلدات ولا يزال مخطوطاً لحد اليوم !
قال الملا في معارضته :
الحبّ عظيمٌ مقصده ** مرّ لا يحلو مورده
إني قد همتُ بحب رشاً ** البدر النيّر يحسده
وجوىً بجفاه غدا يقظاً ** فوددت بوصل يرقده
ومنها :
قد صحّ حديث غرامي إذ ** عن عدل قوامك اسنده
أنواع الحسن بك اجتمعت ** ومحبك وجداً مفرده
أمن الإنصاف يهيم هوى ** ويموت ولا تتفقده
وكنت في سنوات الستين من القرن العشرين أكتب عموداً يومياً في الصحف العراقية نال استحساناً شعبياً كبيراً . كان الطريحي أحد مواردي المهمة ، فكان يزودني بأسرار وملح وطرف الوسط الأدبي والعلمي كنت أنشرها بتوقيعي ـ وكان مستعاراً ـ فتثير أحياناً زوابع أتحملها وحدي ، كما تقضي تقاليد الصحافة .
كرس الطريحي حياته لخدمة العلم والتعليم فعني بإحياء تراث أسرته كجزء من تراث الأمة ، كما شارك في ذكرى إحياء أهم مفكرين أنجبتهما الأمة هما فيلسوف العرب الكندي والشيخ الرئيس ابن سينا .
وتعدّ الكتب والدراسات التي أعدّها بهاتين المناسبتين من المراجع التي لا يستغني عنها باحث أو عالم .
وحقق عدة نصوص في علوم الفقه والرجال والشعر ، معظمها اليوم مفقودة ، ومن حسن التوفيق أن الفقيد نجح في نقل جذوة العلم والمعرفة إلى أبنائه البررة فهم مسؤولون ومطالبون بإعادة نشر تراث والدهم وعميد أسرتهم فيما لم يوفق في نشره خلال حياته .
رحم الله أبا محمد جواد فلقد كان من رياحين العراق .
الأستاذ الدكتور
جليل العطية