استذكار الراحل محمد كاظم الطريحي - محقق تأمل تجربة ابن سينا وتعمق في فلسفته الاشراقية                    

                             

 عدنان حسين أحمد                             


أقامت أسرة الفقيد الطريحي احتفالاً تأبينياً كبيراً في مدينة لاهاي بمناسبة مرور أربعين يوماً علي رحيل العلامة المحقق الشيخ محمد كاظم الطريحي، وفاء لشخصيته الثقافية الرائدة، وتقديراً لمكانته العلمية المرموقة، وخدماته الوطنية الجليلة. وقد شارك في حفل التأبين عدد كبير من العلماء والأدباء والمثقفين من مختلف دول العالم، بحيث لم تكفِ الساعات الثلاث التي خُصصت للتأبين لقراءة مجمل الكلمات والأبحاث والقصائد وبرقيات التعزية التي وردت إلي لجنة التأبين.
. وقد بدأت وقائع الاحتفال التأبيني في تمام الساعة الخامسة من مساء يوم السبت المصادف 24 آب (اغسطس) 2002 في قاعة محفل علي (عليه السلام) بمدينة لاهاي الهولندية. ومن بين المشاركين في هذا الحفل: الدكتور محمود محمد حسن المظفر (جامعة الملك عبد العزيز ــ جدة)، الدكتور يوسف عز الدين (المجمع العلمي العراقي، عضو مجمع اللغة العربية بالقاهرة)، الدكتور محمد حسين الصغير (الأستاذ الأول المتمرس بجامعة الكوفة)، الدكتور أسعد علي (الأستاذ بجامعة دمشق ورئيس الاتحاد العالمي للمؤلفين باللغة العربية)، الدكتور جليل العطية (فرنسا)، محمد حسين الأنصاري (أستراليا)، محمد العَمدي (اليمن)، جاسم المطير (هولندا)، الدكتور حازم سليمان الحلي (جامعة روتردام)، الدكتور علي كريم سعيد (هولندا)، محمد جواد الطريحي (هولندا)، عدنان حسين أحمد (هولندا)، مهدي السويج البصري (دمشق)، حازم محمد باقر السهيل التميمي (عن العشائر العراقية)، الدكتور مهدي البستاني (ألمانيا)، الدكتور عبد الإله الصائغ (رئيس منظمة أدباء بلا حدود ــ أمريكا)، صادق الهلالي (سوريا)، عطا يوسف منصور (الدنمارك)، محمد حسين الطريحي (سويسرا)، محمد السمامي (إيران)، محمد سعيد المنصوري (إيران)، حسين الشاكري (إيران)، ضياء موسي (إيران). وقد قام كل من الأساتذة صفاء الفرطوسي، والدكتور أكرم محمد، ورشاد الأنصاري، والفنان فارس الماشطة وكاتب هذه السطور، الذي قدّم للحفل وأداره، بقراءة بعض الكلمات والقصائد نيابة عن السادة الأجلاء الذين لم يتمكنوا من الحضور لظروف قاهرة حالت دون ذلك.

الطريحي، حياته، ونتاجاته الفكرية
ولد العلامة والمحقق الشيخ محمد كاظم الطريحي في مدينة النجف الأشرف عام 1920. نشأ وترعرع فيها. ثم واصل دراسته في علوم اللغة العربية وآدابها ومقدمات العلوم الإسلامية في مدينة الكوفة، حيث تتلمذ علي يد الشيخ عبد الأمير بن الشيخ عبد الهادي الفلوجي، والشيخ مهدي الحجار والسيد حسن البزاز، والشيخ علي الحاج مجيد العطار. وبعد إتمامه هذه المرحلة في مدينة الكوفة التي كان يقطنها والده انتقل إلي الحوزة العلمية في النجف الأشرف لينهل من معارف أعلامها، فدرس العروض علي يد الشيخ قاسم محيي الدين، بينما درس العلوم العقلية والحكمة والفلسفة علي يد الشيخ محمد جواد الجزائري، والحديث علي يد الشيخ محمد طاهر آل الشيخ راضي، والفقه علي يد الشيخ محمد حسين المظفر والسيد ميرزا البجنوردي. ومن أساتذته في البحوث العالية أئمة الدين الشيخ محمد رضا المظفر والسيد محمد تقي بحر العلوم. كما أفاد من بحوث الفقه والأصول والتفسير للإمام الخوئي (قدس سره) الذي ائتمنه في نقل رسائله الخاصة في بعض الأزمات السياسية التي ألمت بالعراق. وقد اختص بالإمام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء حيث لازمه في بحوثه الفقهية والأصولية وفي العقائد والتفسير وغيرها، وكان موضع ثقته في نقل آرائه ورسائله في المهمات الرسمية والدينية كما يذهب نجله الأستاذ محمد سعيد الطريحي. لا شك أن انغماس الفقيد الطريحي في الحياة الفكرية والثقافية والفلسفية والاجتماعية في النجف الأشرف تحديداً والعراق بعامة قد أمده بمعرفة موسوعية عميقة كان يسخّرها للبحث والتحقيق والكتابة. وعلي الرغم من تعدد اهتماماته الثقافية وتنوّعها إلا أن جهده الفكري يتضح بشكل جلي في البحوث والدراسات التحليلية في حقول الفلسفة والفقه وعلم الكلام. فقد بحث في عقيدة ابن سينا، وتعمّق في فلسفته الإشراقية، ولامس عصبها النابض من خلال رؤيته الفكرية الثاقبة التي كانت تنطلق من معطيات ذاتية أساسها الصفاء الروحي الذي ترتكن إليه، وفضاءات التأمل التي تفتحت أمامه، وأسفرت بالنتيجة عن اكتشافه لمسارب ودروب فكرية أفضت به مباشرة إلي الإمساك بلذة الإشراق، والاستمتاع بسحره الغامض. كما درس الكندي دراسة علمية معمقة بوصفه فيلسوف العرب الأول مستعيناً بأدواته النقدية الممنهجة التي تبحث عن الحكمة والحق والجمال. وقد انقطع بعض الوقت لدراسة نصير الدين الطوسي الذي توزّع بين الفلسفة وعلم الكلام. كما كرّس جُلّ اهتمامه لدراسة الفلسفة النهجية عند الإمام علي بن أبي طالب. ولا بد من الاعتراف بأن الفقيد الطريحي قد خص النجف مدينة وتاريخاً وتراثاً وحضارة بالعديد من الكتب والمؤلفات لعل أبرزها (تاريخ النجف) بعدة أجزاء، و(النجف الأشرف حضارة وأصالة). وفي حقل الأدب كتب الطريحي عن العديد من الأدباء، القدامي منهم والمحدثون في كتابه الموسوم (كتب وأدباء وأناس آخرون). كما حقّق بعض الدواوين الشعرية منها (ديوان ابن كمونة) وديوان (الشيخ علي نقي الإحسائي). لم يتوقف اهتمام الطريحي عند هذا الحد وإنما أمتد ليشمل علم اللغة والكلام والتفسير. وقد حقق أربعة كتب للشيخ صفي الدين الطريحي وأهمها (تفسير غريب القرآن) و (جامع المقال فيما يتعلق بأحوال الحديث والرجال) ومن ضمن مؤلفاته المخطوطة هناك دراسة موسعة عن (الشيخ محمد آل كاشف الغطاء) وكتاب (دراسات في التصوّف والعرفان) فضلاً عن مخطوطات أخري سوف تري النور عن قريب. ومن الجدير بالذكر أن الفقيد الطريحي كان يتمتع بعلاقات اجتماعية واسعة لا تقتصر علي حدود الكوفة أو النجف الأشرف حسب، وإنما امتدت لتشمل العراق والعالمين العربي والإسلامي. وتحتفظ أسرة الفقيد بأرشيف كبير من الصور التي ألتقطت للمرحوم مع أبرز الشخصيات السياسية والدينية والفكرية والثقافية والفنية أمثال عبد الكريم قاسم، وعبد السلام محمد عارف، وعبد الرحمن البزّاز، وأحمد حسن البكر، وشاه إيران محمد رضا بهلوي، ومن الشخصيات الدينية الإمام الخوئي، والسيد محمد بحر العلوم، والشيخ محمد رضا آل ياسين، والسيد مير علي أبو طبيخ، والميرزا عبد الهادي الشيرازي وعشرات الشخصيات الدينية التي لا يسع المجال لذكرها الآن. ومن الشخصيات الأدبية والفكرية نذكر الشاعر محمد مهدي الجواهري، نازك الملائكة، وأنور شاؤول، د. علي أصغر حكمت، د. إبراهيم بيومي مدكور، أمين الخولي، أحمد رامي، حافظ جميل، مؤيد الغلامي، المستشرق الفرنسي لويس ماسينون، وبلاشير وغيرهم. شارك الفقيد في العديد من المؤتمرات والمحافل الفكرية والثقافية والتراثية في داخل العراق وخارجه. ومن أبرز مشاركاته مؤتمر ابن سينا الذي انعقد في طهران عام 1952، ومؤتمر الأدباء الرابع في الكويت عام 1958، ومؤتمر الخواجة نصير الدين الطوسي في طهران عام 1954، ومؤتمر الكندي في بغداد عام 1962، ومؤتمر رابطة العالم الإسلامي في جدة عام 1969، وغيرها من الندوات والمؤتمرات المحلية والعالمية.
انتقل الطريحي إلي جوار ربه يوم السبت المصادف 2002/6/29، ونُقل جثمانه من الدنمارك إلي سوريا حيث ووري الثري في مقبرة السيدة زينب (عليها السلام) في دمشق يوم 2002/5/7.

جريدة (الزمان) العدد 1301 التاريخ 2002 - 9 -1

ذكرى العلامة الشيخ محمد كاظم الطريحي