غاب باحث عراقي ثبت

 

الأستاذ الدكتور يوسف عز الدين

عقد المجمع العلمي العراقي في بغداد مؤتمراً باسم (بغداد والكندي) عندها كنت أحد العاملين فيه وقد أسهم عدد كبير من علماء العراق ودارسيه في هذا المؤتمر وقد اهتم الدكتور ناجي الأصيل اهتماماً كبيراً في المؤتمر وأخذ يقدم بنفسه الباحثين لمعرفته بكثير منهم فرحمة الله على جهوده.

وتعرفت في هذه المناسبة بشاب يعتمر العقال و(اليشماغ) وأهداني مؤلفه عن الكندي فيلسوف العرب الأول وكانت مفاجأة أن أجد باحثاً بالملابس العربية ، فقد اعتدنا أن نجد الباحثين إما من ذوي العمائم أو الذين يلبسون الملابس الغربية التي أصبحت مظهراً من مظاهر التمدن والعصرية .

وتعرفت عليه فوجدته باحثاً لطيف المعشر سريع البديهة ثر الإنتاج واسع الإطلاع فقد كتب عدداً من الكتب وحقق بعضها مثل ديوان ابن كمونة وديوان الأحسائي . إنه باحث جاد نذر نفسه للتأليف والدراسة وكثرت زياراته للمجمع ليأخذ مجلته وما يصدر من كتبه ، شأن الباحث المتتبع.

وانتدبت للعمل في الجامعات العربية ما بين الرياض وصنعاء وبني غازي والإمارات والطائف أستاذاً وعميداً وانقطعت الأخبار عني والصلة بالأصدقاء .

ولما انتهيت من التدريس في جامعة أم القرى في الطايف ودّعت الوطن العربي وتركت خفقات قلبي في روابيه وربوعه وسكن الجسم في (ويلز) إذا لم أجد سكناً في وطني فقلت :

ضاقت بنا أرض العروبة منزلاً  **  فحثثت نحو الغرب وجه ركابي

أنا قد بذلت لها الشبيبة راضياً  **  وسقيتها عمري وحلو شبابي

لكنها ضنّت بوصل صادق  **  فبقيت في ألم وطول عذاب

ولو كان في الوطن العربي مأوى ما سكنت بغيرها لكن الغرب احتواني وبلاد العرب جفتني إنها مفارقة الأيام .

وكان الأخ محمد سعيد الطريحي ولد الشاب الباحث محمد كاظم يعدني باتصالاته المستمرة فجدّد الود وورث الفضل فهزّني الوفاء وحمدت هذا الحب وما أجمل الوفاء في الغربة وأسمى الحب في الوحدة . فوجدته عذب الحديث كثير الفضل له طبع الوالد وحبه للعلم وكان يوافيني بأعداد (الديوان) التي يصدرها إنها جريدة أو مجلة حوت المعارف الكبيرة ومنها ما لا نجده في الكتب التي ألفت عن تاريخ العراق الحديث من صور فريدة للملك وعبد الإله وفيصل الثاني وعبد الكريم قاسم وطاهر يحيى ومحمد رضا الشبيبي والقائد الإنكليزي (طاوزند) وحوادث نُسي أثرها مثل قصة التمثال التي نظمها الصديق العزيز عبد الحسين زلزلة وقصائد لعلي الشرقي والجواهري ومحمد سعيد الحبوبي ومقالات متعددة للصديق عبد الغني الدلي وعبد الرزاق الحسني وغيرهم .

وفي أحد الأيام نعى لي والده المرحوم محمد كاظم الطريحي فهيج الشجن وهزني بالحزن فقد ذكرت كثيراً من الزملاء والعلماء والأساتذة الذين طواهم الردى في خارج الأوطان وسرني بأنه وفيٌ يحافظ على ذكرى والده مع محبيه في إحياء ذكر باحث وقف نفسه في خدمة الأدب والتاريخ والفلسفة وبقيت آثاره منبعاً لمن يرتاد العلم ومصادراً لمن يعرف الحقيقة ولا أريد أعدد كتبه فهي كثيرة ولا بد من الإشارة بما كتبه عن النجف وتاريخها فقد سجل الحقائق من إنسان مطلع له خبرة وتجارب في بلده رحم الله الفقيد والعزاء لأسرته وما مات باحث خلف ولداً مثل محمد سعيد.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 الدكتور يوسف عز الدين

 

ذكرى العلامة الشيخ محمد كاظم الطريحي..