مع
الشيخ محمد كاظم الطريحي
في كتابه
«النجف الأشرف مدينة العلم والعمران»
الأستاذ الدكتور صلاح الفرطوسي
كانت مناسبة عظيمة للبكاء ـ ما أحوجني إليها ـ يوم تلقيت دعوة من أخوي الفاضلين محمد جواد ، ومحمد سعيد للاشتراك في تأبين والدهما العلاّمة المحقق الشيخ محمد كاظم الطريحي طيب الله ثراه ، وعلى الرغم من الروابط الروحية والأسرية التي تربطني بآل الطريحي عامة ، وبالمحمدين ـ حفظهما الله ـ خاصة فقد تعَذَّرت علي المشاركة لأسباب لست بصددها الآن .
وبعد المناسبة بأيام حدثني أخي الجواد عن آخر كتب الفقيد «النجف الأشرف مدينة العلم والعمران» ، وبأريحية أعارني الكتاب ـ بعد أن شعر بلهفتي على قراءته ـ على الرغم من حاجته إليه لإطلاع أصدقائه ، ومعارف الفقيد عليه ، ولا سيما أن الكتاب لم تصل منه نسخ إلى أوربا فيما أعلم ، إذ إنه طبع في بيروت بدار الهادي سنة 2002م ، كما أن الجواد لا يملك نسخة أخرى منه .
ولا أظن عراقياً ، أو عربياً ، أو عارفاً بالعربية محبّاً لها يقع بين يديه كتاب مثل هذا ويستطيع تجاوزه ، وخاصة أنه يتناول تاريخ رابع المدن المقدسة في ديار المسلمين ، فكيف يكون وقعه على قلب رجل مثلي ما زال يتلفت صوب مدينته الغالية الحبيبة منذ عقد من الزمان ، كيف يكون وقعه ، وآخر أحلامه قضاء البقية الباقية من العمر في رحاب باب مدينة العلم عليه السلام .
وليس الفقيد أول العلماء في هذه الأسرة، ولن يكون آخرهم ـ إن شاء الله ـ لأني أعرف من تاريخها الذي تجذر في رحم النجف والكوفة منذ تمصيرهما ما يعرفه أغلب أبناء المدينتين ، إذ لا يختلف اثنان منهما في أنها واحدة من الأسر النجفية العلمية البارزة التي يحق لها الفخر بعشرات العلماء من الفقهاء ، والمفسرين ، واللغويين ، والكتاب ، والأدباء ، والشعراء ، وما زال (مجمع البحرين) واحداً من عشرات كتب الأسرة الطريحية التي تهتم بها مدرسة النجف الفقهية في تفسير لغة غريب القرآن والحديث ، بل ليس كثيراً على واحد من أبنائها الأماجد ـ محمد سعيد ـ أن يضطلع لوحده بتحرير مجلة الموسم الغراء وإصدارها التي أستطيع القول عنها باطمئنان : أنها من خيرة المجلات الثقافية التاريخية التي أصدرتها المدرسة في تاريخها الحديث الحافل بالصحف والمجلات، بل إنها خير مجلّة أصدرتها خارج العراق فيما أعلم ، وصاحبها يعيش في ضاحية من ضواحي هولندا لا يشعر به أحد فيها ، وبقيت موسمه على الرغم من ضيق ذات اليد وبعد المزار تدل على جميع المجلات الإسلامية المتخصصة في العالم ، وحديثي عن الأخ السعيد ومجلته حديث تجلّة لا تسعه المناسبة ، وأراني واقفاً معهما ـ إن شاء الله ـ في قريب عاجل .
أما الفقيد فقد عرفته الأوساط العلمية والثقافية داخل العراق وخارجه باحثاً جاداً استطاع لفت الأنظار إليه خارج دائرة مدينته منذ أن شارك في الذكرى الألفية لميلاد فيلسوف العرب الكندي التي أقيمت في بغداد سنة 1962م ، وكانت له قبل هذه المشاركة دراسات وتحقيقات مهمة في الفلسفة الإسلامية ، واللغة ، والفقه ، والأدب والتاريخ ، ولا أشير هنا لكتابه عن ابن سينا الذي قدم له الإمام محمد حسين كاشف الغطاء ، ولا إلى بحثه «الفلسفة الإشراقية عند ابن سينا» ، ولا إلى بحثه الموسوم «نصير الدين الطوسي بين الفلسفة وعلم الكلام» ولا إلى غيرها ، وكلها مقدمة إلى مؤتمرات علمية عقدت داخل العراق وخارجه ، وإنما أشير إلى اهتمامه بتراث أسرته فحقق كتاب «تفسير غريب القرآن» للشيخ الطريحي ، كما حقق له أيضاً كتابي «جامع المقال فيما يتعلق بأحوال الحديث والرجال» و «ضوابط الأسماء واللواحق» وحقق أيضاً كتاب «مطارح النظر في شرح الباب الحادي عشر للشيخ صفي الدين الطريحي» ، وقد نشرت هذه الكتب في النجف وطهران .
أما الكتاب الذي نحن بصدد الاحتفاء به للترحم على مؤلفه وهو «النجف الأشرف مدينة العلم والعمران» فإن من يطلع عليه يعلم تماماً أنه ليس ابن ثمانينيات الفقيد ، وإنما هو ابن عمره ، بل يشعر قارئه أن الأصل تجاوز المطبوع بمئات الصفحات ، ولعل كاتبه ـ تغمده الله بوارف رحمته ـ أراد أن يكون مؤلفه موسوعة تسع مدينة النور والملائكةِ أثراً ، وتأثيراً ، وتاريخاً ، وحضارة ، وثورة ، ورجالاً ، وقادة ، وساسة ، وعلماء ، ومفكرين ، وآفاقاً ، وأن أسباباً دفعت الفقيد ، وهو في أخريات أيامه أن يرضى بصدوره بأية صورة من الصور ، فهو عزيز عليه ، أثير إلى نفسه ، وهو الحسناء التي ليس لمثيلاتها من مهربين كتبه ومقالاته ، وما يؤكد صحة ما ذهبت إليه ورود إشارة لكتاب أعده المؤلف في عدة أجزاء بعنوان «في تاريخ النجف» في رسالة النعي التي أبردتها إليّ لجنة تأبين الفقيد ، تعرف فيها بالفقيد ، ومصادر ترجمته وبعض بحوثه ودراساته وتحقيقاته .
وأتخيل أن الرجل عانى الأمرين من أجل إخراجه بسبب بعد المسافة بين مغتربه ، ومكان طبعه، كما أتخيّل أن الرجل وهو يعاني من آلام المرض والاغتراب والشيخوخة لا يلتفت إلى أبنائه بعد أن رآهم أعلاماً ملء السمع والبصر ، وليس له من مطمع في الدنيا بعد أن جاوز الثمانين غير أن يرى حصاد العمر قبل مفارقة الحياة ، وهكذا شاء الله ـ كما علمت ـ فبعد أيام من استلامه نسخة من الكتاب فارق الحياة رحمه الله .
ومن نكد الدنيا أن مدينته التي تغنى بها ، ورآها فوق الذرى سموّاً ورفعة شحّت عليه بلحد يواري به جسده ، وكأنها أرادت أن يكون هو وغيره من أعلامها الذين قتلتهم الحسرة عليها وعلى وطنهم شهداء على عصر الرعب والخوف والدمار والطغيان ، وعلى ما فعله بمدينتهم الصابرة وبلدهم .
وإذا كان الفقيد قد حرم من حمى أمير المؤمنين عليه السلام ، فإن الله سبحانه وتعالى عوضه بحمى ابنته الطاهرة الثائرة زينب عليها السلام ، وكأنه ـ جل في علاه ـ أراد أن يثقل ميزان حسناته بعد أن أخرج هذا السفر (في أوقات مختلفة مشحونة بالمرارة والألم المكبوت) ترى صداها في مقدمته التي أرادها صرخة بحنجرة ملايين العراقيين الذين تقتلهم وحشة الاغتراب كل يوم .
لم يكن الكتاب تاريخاً للمدينة ، ولا تعريفاً بها ، وبمدارسها ، وعلمائها ، وأطوارها ولا تاريخاً للبلاد وما جاورها ، ولا بانطباعات الرحالة عنها ، ولا بأثرها وتأثيرها على العالم الإسلامي ، أو على الدول التي حكمت المنطقة ، وإنما كان شيئاً من كل هذا ويزيد .
والكتاب سفر في مقدمة وأحد عشر فصلاً قدم فيه من المعلومات والانطباعات ما يصعب حصره ، وكلها غاية في الأهمية ، ولم يكن الكاتب فيها راوية للأحداث فحسب وإنما كان باحثاً اجتماعياً ، ومؤرخاً أكاديميّاً ، وناقداً موضوعيّاً ، ومحلّلاً ، وفقيهاً متنوراً ، ابتعد في كل هذا عن التعصب ، أو الطائفية ، أو العنصرية ، بل كان شجاعاً في نقده جميع التيارات التي تقاذفت المدينة والبلاد .
وأنت تشعر أنه متمكن من أدوات بحثه بعد أن اطلع على عشرات المصادر ، وقرأها قراءة فاحصة ناقدة ، بل تستطيع إنصافه من خلال تقديرك لتلك المصادر المتنوعة العربية منها والفارسية والتركية ، المترجمة منها والمطبوعة والمخطوطة ، بل إن بعضها قد يكون مفقوداً في الوقت الحاضر، أو يصعب الوصول إليه داخل العراق وخارجه .
والباحث الذي جاوز الثمانين وقضى أغلب سنوات عمره في رحاب تلك المدينة عارف بأسرارها ، مطلع عليها ، مشارك بأحداثها ، فهو ابن حوزتها ، ما زال تراث آبائه يمثل لبنة متميزة في الصرح العلمي الشامخ لمدينة النور والتنوير ، كما أنه يرى في نفسه امتداداً لجده التابعي الثائر حبيب بن مظاهر الأسدي رضوان الله عليه الذي استشهد مع أبي عبد الله الحسين عليه السلام .
لذا فإنه ليس من الغريب ـ بعد هذا ـ أن تجد الكتاب في متنه وحواشيه مليئاً بالطرائف العلمية التي يصعب الوصول إليها في غيره ، كحديثه عن الدراويش ولباسهم ، وطقوسهم ، وأناشيدهم، ومراتبهم (ص 233 ـ 236) ، وحديثه عن الزورخانة وابتداع الصفويين لهذه الرياضة ، وانتشارها ، ووصولها إلى النجف ، وأشهر الزورخانات فيها (ص236 ـ 237) ، وحديثه عن محلات النجف ، وأسباب تسميتها ، وحديثه عن آبار المدينة ، ومحاولات إيصال مياه الشرب إليها منذ سنة 676هـ بتُرع تحفر من الفرات إلى المدينة ، وتكاليف تلك المحاولات ، كنهر التاجية الذي أمر بحفره سنة 676هـ الصاحب عطاء الملك ، وشط السبيل الذي أمر بحفره الشاه إسماعيل سنة 914هـ ، ونهر الطهمازية الذي أمر بحفره الشاه طهماسب الصفوي سنة 980هـ ، وترعة السلطان سليم التي أمر بحفرها السلطان سليم الثاني سنة 982هـ وغيرها (ص50 ـ 62) ، وكهامشه عن خارطة الضريح المقدس الذي يقول فيه : (ترتفع القُبّة من قاعدتها إلى فوق رأس المخروط منها 35 متراً ، ومحيط قاعدتها 50 متراً ، وقطرها ما يقرب من 16 متراً ، ومن رأس القبة إلى سطحي الصحن 43 متراً ... وطاباق الذهب الذي وقع حصره بسبعة آلاف وسبع مئة وسبعة وسبعين طاباقاً . إن عدد القباب التي شيدت على المرقد المطهر بلغ ثمان ، أولها قبة الرشيد ، وآخرها القبة الحالية التي غشاها بالذهب الإبريز نادر شاه في سنة 1156هـ) (ص 29 الهامش الثاني) ، وكهامشه عن باب الساعة الذي يقول فيه : (سمي باب الساعة لوجود ساعة لها بناية خاصة ... تبرع بإرسالها أمين السلطان سنة 1305هـ/1887م ... وتتميز الساعة بجرس ناقوسي من أربعة أوجه لأربعة محركات كسي أعلاها بالذهب سنة 1323هـ/1905م وقد جدد تذهيبها سنة 1395هـ/1975م) (ص 59 الهامش الأول) ، وهامشه الخاص بكري سعد الذي قال عنه : (كري سعد بن أبي وقاص بعد أن فتح الكوفة سنة 17هـ/637م ، والكري هذا يشق حتى يدخل المسيب ، ومنه إلى نواحي الكوفة محاذياً مسجدها الأعظم ويشق الظهر على جرف بحر النجف المستطيل إلى الحيرة ...) (ص 60 الهامش الأول) ، ولعله يقصد ما يسمى بلهجة العامة بچري سعدة (بجيم فارسية مثلثة من أسفل) ، وكهوامشه عن (خان المصلى) و (خان الحماد) و (خان النخيلة) (هوامش ص 61) على أنه في جميع هذه الهوامش أغفل ذكر مصادره .
قدم أيضاً مجموعة من المشجرات المهمة التي تخص تاريخ الأسر التي حكمت إيران والعراق ، أو التي امتد حكمها إلى العراق ، كمشجرة الصفويين (ص 238) ، والإفشاريين (ص 241) والقاجاريين (ص 244) وغيرهم ، كما ذكر أسماء سلاطين آل عثمان بدءاً من عثمان غازي أرطفل مؤسس الدولة العثمانية إلى السلطان السابع والثلاثين عبد المجيد الثاني الذي عزل في ربيع الأول سنة 1341هـ/1922م ، وتوفي في رجب سنة 1342هـ/1923م (ص250 ـ 252) .
كما ذكر طرائف أخرى كذكره لتاريخ شيوع سجود الشيعة على التربة (ص 231) ودستور محلة البراق إحدى محلات النجف التي كان لها شأنها إبان ثورة النجف والأحداث التي سبقتها وتلتها (ص256 ـ 257) .
وفي الكتاب ترجمات لا حصر لها لشخصيات علمية واعتبارية ، وتعريفات لمواضع كثيرة ، وتواريخ لأحداث مهمة ، ومما يحمد عليه المؤلف أنه لم يغفل ذكر التاريخ الميلادي عند ذكره التاريخ الهجري في أغلب المواضع ، ومن الأمور التي يحمد عليها رحمه الله الملف المصور الذي احتوى ست وستين صورة للمدينة والضريح المقدس ، ووادي السلام وغيرها ، وهي وحدها كفيلة أن تعيد عشرات الذكريات التي طمستها الغربة والأيام .
ولم يسلم الكتاب من بعض الهنات التي كدرته ، أعزو بعضها إلى هندسة فصول الكتاب ، فقد رأيت أن من الأنسب تقسيم المعلومات الواردة في المقدمة على المقدمة وعلى تمهيد يلملم فيه بعض المتفرقات أيضاً ، ويقسم الفصول على قسمين ، يتناول في القسم الأول الفصول الآتية :
1 ـ الأدوار التي مرت على العراق .
2 ـ الجمعيات السياسية .
3 ـ الشيعة الإثنى عشرية .
4 ـ المدارس الفقهية ودراساتها .
5 ـ الاجتهاد والمرجعية .
6 ـ المجالس الحسينية .
ويتناول في القسم الثاني الفصول الآتية :
1 ـ خطط النجف الأشرف .
2 ـ الحوادث والغزوات التي تعرضت لها .
3 ـ النجف كما وصفها الرحالة .
4 ـ ثقل النجف السياسي .
ومنها أعزوه إلى عدم استطاعة مؤلفه مراجعة مسوداته بسبب بعد المسافة بين مكانه ، ومكان الطبع ، وإلى أن الكتاب في أصله كان أجزاء فاضطر إلى اختصاره في وقت لم يكن يتمتع فيه الفقيد بصحة تمكنه من إعادة النظر فيه ، لذا فإنك حينما تقرأ الكتاب لا تجده يتناسب مع عنوانه «النجف الأشرف مدينة العلم والعمران» إذ غاب (العمران) تماماً من الكتاب ، كما أن فيه معلومات كان بالإمكان إيجازها ـ على أهميتها ـ كي يستقيم الكتاب .
ولغة المؤلف يعتورها التشويش أحياناً بسبب عدم ترابط بعض الفقرات في غير موضع بسبب سهو أو سقوط بعض الفقرات الرابطة ، كما أن الكتاب لا يخلو من أخطاء نحوية ولغوية أنزه الكاتب منها ، ولعل سببها ـ في الغالب ـ الاختصار أو الطباعة ، وتلك هنات لا تقلل من هذا الأثر العظيم .
أما المقدمة فقد تناول فيها عناية المؤرخين والجغرافيين بالمدن الإسلامية ، وذكر أن عدد الكتب المؤلفة في الأمصار المشرقية يزيد على مئة وثلاثين مؤلفاً من القرن الثالث إلى القرن السابع ، وتحدث أيضاً عن فضل الدراسات التاريخية ، وقدم حصراً لأهم المؤلفات التي تناولت تاريخ المدن وجغرافيتها بدءاً من مؤلف أحمد بن أبي طاهر طيفور المتوفى سنة 280هـ ، وانتهاء بالمؤلف الثاني عشر في قائمته وهو لأبي الفداء عماد الدين الأيوبي المتوفى سنة 732هـ .
أما المؤلفات الجغرافية فقد ذكر خمسة منها ابتداء بمعجم ياقوت ، وانتهاء بمؤلف القلقشندي المتوفى سنة 749هـ ، وذكر أيضاً ثلاثة وعشرين مؤلفاً عن الكوفة خططاً ، وقضاة ، ومفاخرة ، ووفادة ، وفضلاً ، وتاريخاً ، ومزارات (ص 9 ـ 13) . وتحدث في المقدمة أيضاً عن تمصير الكوفة قديماً وحديثاً ، وعن النجف ، وعن أهم الوسائل التي ساعدته في كتابة بحثه .
وأما الفصل الأول ـ وهو من فصول الكتاب المهمة ـ فقد خصه لخطط النجف الأشرف ، وقدم فيه معلومات غاية في الأهمية استقاها من مصادره المطبوعة ، والمخطوطة ، ومن ملاحظاته الشخصية ، وأغناه بالهوامش المهمة ، وتحدث فيه عن موقع النجف ، وموقع الضريح المقدس منها ، وطبيعة مناخها ، والهجرة إليها ، وطباع سكانها ، ومحلاتها ، وبيوتها ، وسراديبها ، وموارد مياهها ، ووسائل النقل فيها ، ولكنه حشر في هذا الفصل بحثاً عن العرب ، والشعوبية ، وعرب العراق ، وعروبة التشيع ، وكان بالإمكان جمع مثل هذه المتفرقات في التمهيد الذي اقترحناه ، أو إدراجها في حواشي الكتاب في مواضعها المناسبة .
وخص الفصل الثاني لدراسة موضوع «الشيعة الإثنى عشرية» ، وهو على أهميته كان بالإمكان دمجه مع الفصل الثالث الموسوم بـ(المدارس الفقهية) ، ولعل هذا الفصل كان في الأصل كتاباً مستقلاً للمؤلف أو فصلاً من كتاب له ، رأى المؤلف أن الظروف لا تواتيه في الوقت الحاضر لطباعته ، وأن من المناسب لكتاب عن النجف الأشرف أن يحتوي فصلاً عن الإثنى عشرية ، وقد استغرق الصفحات (69 ـ 83) .
واستغرق الفصل الثالث حيزاً كبيراً من الكتاب (ص 85 ـ 160) ، وهو من أطول الفصول ، وكان بعنوان (المدارس الفقهية) ، وقد أغناه بالمباحث المهمة التي لا يستغني عن معرفتها كل باحث في تاريخ الفرق الإسلامية عامة ، والشيعة خاصة ، وقسم تلك المدارس على ثلاثة اتجاهات اتسمت جميعها بالولاء لآل البيت عليهم السلام ، وهي الصوفية ، والإخبارية ، والأصولية .
أما مبحث التصوف عند الشيعة فقد غام علي بسبب اهتمام المؤلف بالجانب الفلسفي فيه ، إذ انغمس في اصطلاحات الصوفية وعباراتهم الغامضة ودرجات الصحبة عندهم حتى غابت من البحث علاقته بالتشيع ، وقد لفت نظري أني لم أقف في حواشيه على كتاب الصلة بين التشيع والتصوف أو على غيره من الدراسات التي تناولت هذا الجانب على كثرتها .
تحدث في الفصل أيضاً عن الدخلاء على الصوفية ، والنقود والردود الموجهة نحوهم ، وموقف الملا صدر المتألهين الشيرازي ، وبهاء الدين الآملي منهم ، كما تحدث أيضاً عن موقف بعض الفقهاء منهم كموقف صفي الدين الطريحي ت 1100هـ والمجلسي ت 1110هـ والأحسائي ت 1241هـ ، ولم يهمل ردود الصوفية عليهم . أما الاتجاه الثاني فهو الإخباري نسبة إلى الأخذ بأخبار أهل البيت، وبناء الأحكام الشرعية عليها دون الالتفات إلى الاجتهاد ، وأرجع هذا الاتجاه إلى زمن محمد بن يعقوب الكليني المتوفى سنة 329هـ أحد أعلام الشيعة الإمامية الذي كانت له آراء في حرمة الاجتهاد والتقليد ، وفي وجوب التمسك بروايات العترة الطاهرة (ص116) ، وذكر أيضاً الفوارق بين الإخباريين والأصوليين . وقد أسهب الباحث إسهاباً محموداً في حديثه عن هذا النمط ، وفي ترجمته لأشهر علمائهم ، وما دار من صراع بينهم وبين الأصوليين ، وقد خص الزعيم الإخباري الشيخ أحمد زين الدين الأحسائي بدراسة استغرقت خمس عشرة صفحة من الفصل . أما الاتجاه الثالث وهو الأصولي فكان نصيبه ثمان صفحات بسبب تداخل معلوماته بمعلومات الاتجاه الإخباري ، وقد تحدث فيه عن المصطلح ، وحركة الإحياء الأصولية التي بدأها محمد باقر البهبهاني الذي حاول التوفيق بين الأصوليين والإخباريين ، وذكر أن في مقدمة تلاميذه الشيخ جعفر الجناحي الذي تتلمذت عليه جمهرة من العلماء ، وكانت وفاته سنة 1228م ، وترجم أيضاً لولده الشيخ موسى كاشف الغطاء ، وختم بالتنويه عن الشيخ علي بن الشيخ جعفر وأخيه الشيخ حسن المتوفى سنة 1262هـ ، وقد يؤاخذ على حصره هذا الاتجاه ـ على أهميته ـ بالشيخ جعفر وأبنائه .
وكان الفصل الرابع من نصيب الدراسات العلمية في النجف ، وقرر أنها شهدت (أول جامعة عرفها التاريخ حول المرقد المقدس) وأنها (حازت الرياسة العلمية والرعاية الدينية ابتداء من القرن الخامس وإلى الوقت الحاضر وإن اختلفت في بعض العصور كثرة وقلّة) بين الحواضر الشيعية ، ولتوثيق ما ذهب إليه ذكر نقلاً عن النجاشي قوله : أنه (كثر أهل العلم ، وصارت الرحلة إلى النجف لطلب العلم) في سنة 572هـ ، كما ذكر نقلاً عن المصدر نفسه إجازة علمية منحت في النجف عن أحد العلماء يعود تاريخها إلى سنة 400هـ ، وتحدث أيضاً عن الحوزة العلمية وتاريخ تأسيسها ، وأثر هجرة الشيخ الطوسي إلى النجف ، كما تحدث عن أثر بعض أعلامها كالمقدس الأردبيلي ، وشريف العلماء المازندراني ، والشيخ جعفر الجناحي ، والشيخ حسن الأصفهاني ، والشيخ مرتضى الأنصاري وغيرهم .
ولما كانت هذه الجامعة تمتد على ألف سنة تقريباً ، فأنت تلحظ أن حديث الباحث عن أثر أعلامها فيه فجوات تاريخية كبيرة جداً ، وكان من الضروري أن يعمق بحثه في أسباب انتقال الزعامة الدينية من النجف في بعض الفترات إلى الحلّة وكربلاء وغيرهما ، ولا سيما أن جميع رجال الدين وطلبة العلم كانوا وما زالوا يتطلعون إلى الإقامة بجوار الروضة العلوية المطهرة ، بل كنت أرغب أن أجد بين طرائفه العلمية سبباً لاختيار بعض العلماء الأعلام كربلاء أو الكاظمية مدفناً لهم على الرغم من أن الشيعة في كل العالم يحرصون على الدفن في حمى أمير المؤمنين عليه السلام ، حتى إن بعضهم يودع الجنازة مدّة قد تتجاوز السنة في مدينته إلى أن تتهيأ الفرصة له لنقلها إلى النجف ، وقد حدثت بعض المشكلات بين حكومة إيران والحكومة العثمانية بسبب نقل الجنائز من المدن الإيرانية إلى النجف ، وقد ذكر علي الوردي بعض الاتفاقيات التي تمت بهذا الشأن بين مدحت باشا والي العراق وغيره وبين الحكومة الإيرانية وذكر طرفاً في هذا الشأن ـ على ما أتذكر في كتابه لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث ـ أما الهوامش ـ باستثناء ذكره لرجال النجاشي مع إغفال ذكر الصفحات ـ فقد اختفت مصادرها على أهميتها ، مثل هامشه عن صلاة الجماعة في الحرم المقدس والصحن التي قال عنها: إنها لم تكن معروفة في العصر القديم (هامش 1 ص 162) وهامشه الآخر عن المسجد الهندي ، وعن عدد طلاب العلم في مدارس النجف سنة 1935م وغيرها .
تحدث في هذا الفصل أيضاً عن مدارس النجف الدينية كالمدرسة المرتضوية التي تأسست قبل سنة 786هـ ، ومدرسة المقداد السيوري ، ومدرسة ملا عبد الله اليزدي ، كما ذكر بعض المدارس التي اعتبرها العثمانيون رسمية أي : أن خريجيها لا يكلفون بالخدمة العسكرية ، كمدرسة آل القزويني ، ومدرسة الشيخ مهدي كاشف الغطاء ، ومدرسة دار بحر العلوم ، وغيرها .
وبسبب كثرة عدد المدارس الدينية في النجف ، وكثرة ما كتب عنها أحال الباحث إلى أربع عشرة مقالة ودراسة تناولت هذه المدارس بالدراسة والتعريف والإحصاء ، وقد نشرت في كتب ومجلات مختلفة ككتاب ماضي النجف وحاضره وكمجلّة لغة العرب ، ومجلة العرفان ، ومجلة الاعتدال ، وغيرها ، على أني كنت أود لو أن الباحث خص هذه المدارس بفصل من كتابه ، ولا سيما أنه ليس من السهل الوصول إلى تلك المصادر التي ذكرها ، ولعل بعضها يكون اليوم في عداد المفقود .
تحدث في هذا الفصل أيضاً عن مراحل التدريس ، ومقررات الدراسة ، وطرق التدريس وإجازات العلماء ، كما تطرق إلى التأثير الفارسي ، ومحاولات الفرس خلق مراكز قوة خارج إيران للسيطرة على العالم الشيعي ، واختطاف المرجعية الدينية من العرب ، وإعداد رجال دين يتكيفون للسياسة الإيرانية لمحاربة الدولة العثمانية خلف شعارات مذهبية .
أما الفصل الخامس من الكتاب فكان بعنوان (الاجتهاد والمرجعية) وتناول فيه أعمال المكلفين، والاجتهاد ، والمرجعية ، والشروط المؤهلة لمرجع التقليد ، والتقليد ، وذكر أن المرجعية الدينية استمرت عربية في النجف يتصدرها العلماء العرب ، ومن ثم انتقلت إلى الحلّة ومنها إلى كربلاء (ص189) وتبدو في هذا الفصل هنات وفجوات ، فهو يذكر استمرار عروبة المراجع في النجف منذ تأسيسها حتى انتقالها إلى كربلاء ، وهو أمر تنقصه الحجة ، ولا سيما أن كثيراً من المراجع كانوا من أصول فارسية (راجع مع علماء النجف الأشرف) كما أن الباحث قفز فجأة إلى وفاة شريف العلماء المازندراني سنة 1246هـ/1850م المقيم في كربلاء دون أن يمهد إلى سبب انتقالها إلى كربلاء ، وسبب عودتها إلى النجف ، ولا سيما أنها بانتقالها إلى النجف انقسمت بين عدد من المجتهدين هم السيد مهدي بحر العلوم ت 1212هـ/1797م ، والشيخ جعفر كاشف الغطاء ، والشيخ حسين نجف ت 1317هـ/1809م .
وتحدث أيضاً عن بزوغ نجم الشيخ محمد حسن النجفي ت 1266هـ/1850م مؤلف كتاب (الجواهر) ، ثم عن الشيخ مرتضى الأنصاري ت 1281هـ ، وغيرهما من العلماء الذين بزغ نجمهم في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين ، وأثر بعضهم في الحركة الوطنية التي شهدتها إيران والعراق .
وتحدث أيضاً عن ولاية الفقيه ، وعن المصادر الممولة للمرجعية ، ثم انتقل فجأة إلى الدول الشيعية في الهند ، وخص مملكة أودة ببحث مطول استغرق نصف صفحات الفصل تقريباً ، وعلى الرغم من أهمية هذا المبحث وطرافته العلمية فإني لم أجد ما يسوغ إدخاله في هذا الفصل ، ولو أدخله في الفصل السابع مع تغيير بسيط في عنوانه لأصاب .
خص الفصل السادس من الكتاب للمجالس الحسينية ، وتحدث فيه عن هذا النوع من الخطابة، وعرفه بقوله : (هي فن مشافهة الجمهور ، وإقناعه واستمالته بالوعظ والإرشاد عن طريق المنبر الحسيني) ، كما تحدث فيه عن دراسة الخطباء ، وسبب تسميتهم بـ(الروزخونية) ، كما ذكر أشهر الخطباء في العهد العثماني .
تحدث أيضاً عن الحسينيات ، والمآتم الحسينية ، وتاريخها ، وكتب عن أشهر الخطباء ، وتاريخهم ، وانتشارهم ، وسلط الضوء على بعض كتب الخطابة الخاصة بالمنبر الحسيني المهمة ، كروضة الشهداء لكمال الدين السبزواري المتوفى سنة 910هـ / 1504م ، والمنتخب في جمع المراثي والخطب للشيخ فخر الدين الطريحي المتوفى سنة 1085هـ ، والخصائص الحسينية للشيخ التستري المتوفى سنة 1303هـ ، وغيرها ، وفنّد في البحث ما ذهب إليه بعض الباحثين من أن هذه المآتم من مستحدثات الإيرانيين منذ العهد الصفوي ، وذكر أدلة على قدمها قدم مأساة الطف ، وذكر أيضاً أن الشعراء كانوا يتوافدون على أئمة أهل البيت لرثاء الحسين عليه السلام بين أيديهم ، وكان الإمام الباقر عليه السلام يترحم على الشيعة الذين يقيمون المجالس الحسينية (ص215) .
وختم بمبحث عنوانه (تأهيل الخطيب الحسيني) ، وعلى الرغم من أنه لم يذكر فيه معلومات ذات بال عن وسائل التأهيل فيه إلا أنه ذكر بعض الطرف العلمية فيه ، مثل ابتداع فاضل الرادود المتوفى سنة 1982م الردّات الحسينية التي ظهرت في الأربعينيات ، ثم تطورت حتى أصبحت قرينة للمجالس الحسينية ، وذكر أيضاً أن الحكومة العراقية منعت المواكب العامة سنة 1935 ـ 1936م بوصفها أحد العوامل وراء الانتفاضات العشائرية التي حدثت آنذاك ، وذكر أيضاً أن مجموعة من العلماء والخطباء شرعت في تهيئة مؤسسة تعنى بتربية قراء التعازي سنة 1944م ، إلا أن خطوتهم لم تلق النجاح بسبب دور بعض المعارضين لها .
وعلى الرغم من إشارات الباحث الخاطفة إلى دور الخطيب في تحريك المشاعر فإنه أغفل دوره، بل دور المآتم الحسينية في تأجيج المشاعر الوطنية داخل العراق وخارجه .
أما الفصل السابع من الكتاب فهو بعنوان (الأدوار التي مرت على العراق) ، وقد كانت حصته من الكتاب سبعة وعشرين صفحة تحدث فيها عن القوى والحكومات التي حكمت العراق، أو أثرت فيه منذ سقوط الدولة العباسية حتى ثورة النجف ، وبسبب أثر الحكم الصفوي على العراق عامة ، وعلى النجف خاصة فقد استغرق نصف صفحات الفصل أما البقية فقد كان بعضها إشارات لبعض الدول ، وبعضها دراسات ومشجرات للدول الإحدى عشرة الأخرى ، فبدأ بالدولة الصفوية على الرغم من أنه ذكر في بداية الفصل أربع دول أخرى سبقت الحكم الصفوي ، أي : أنه قفز إليه متجاوزاً قرنين ونصف من احتلال هولاكو ، والاحتلال التتري ، والجلائري ، ودولتي الخروفين الأبيض والأسود ، أما الدولة العثمانية فلم يكن لها من حظ باستثناء ذكره سلاطين آل عثمان ، وبعض اللمحات العابرة .
على أن البحث في عمومه قدم معلومات غاية في الأهمية وطرفاً أذكر منها إشارته إلى شيوع استعمال (التربة) التي يسجد عليها الشيعة في صلواتهم بسبب اجتهاد الشيخ عبد العلي الكركي الذي ألف رسالة فيها سنة 933هـ/1526م ، واختصاص العلويين بلقب (سيد) خلال القرن الثامن الهجري كما ورد في مخطوطة أنباء الغمر في أنباء العمر ، واستبدال الكوفية باليشماغ الذي شاع استعماله في العراق في منتصف القرن الثالث الهجري ، ومن هوامشه المهمة ما ذكره من تشيع الخليفة الناصر لدين الله العباسي الذي ولد سنة 552هـ وبويع سنة 575هـ واستمرت خلافته سبعة وأربعين عاماً ، وذكر بعض آثاره في التشيع (هامش ص 230) وأشار أيضاً إلى انتقال الخلافة إلى العثمانيين بعد استيلاء السلطان سليم الثاني على مصر سنة 923هـ ، وأخذه محمد المتوكل عقب واقعة (مرج دابق) ضمن الأسرى إلى اسطنبول ، وفيها تنازل عن حقه في الخلافة إلى السلطان سليم ، وسلمه الآثار النبوية الشريفة ، وهي البيرق والسيف والبردة ، كما سلمه مفاتيح الحرمين الشريفين .
ألمح في هذا الفصل إلى ثورة الشعب الإيراني التي قادها الإمام الخميني ، وختم بالحديث عن ثورة النجف التي فصل الحديث عنها ، وعن بعض رموزها تفصيلاً محموداً في الفصل الأخير من فصول الكتاب .
وكان الفصل الثامن من نصيب الحوادث والغزوات التي تعرضت لها النجف وأزعم أن هذا الفصل من فصول الكتاب المهمة بسبب غزارة معلوماته وأهميتها ، فذكر في مقدمته سبب تعرض المدينة للهجمات الشرسة ، وأثر ذلك على الشخصية النجفية ، إذ طبعها بطابعها المتميز ، وحولها إلى مدينة ما تزال محوراً للقاءات الاجتماعية والسياسية ، ومصدراً للفتوى والقرارات في كل قضية وطنية أو قومية تتعدى قراراتها أحياناً حدود البلاد إلى العالم الإسلامي .
أما الوقائع والأحداث فقد امتدت على فترة زمنية من القرن السابع حتى القرن العشرين ، وكان في سرده للوقائع والأحداث يوجز أحياناً ، ويسهب في أخرى بحسب ما تجود به مصادره ، وبحسب رؤيته لقيمة الحدث ، وقد أحسن في وصفه الغزو الوهابي ، وأطلعنا على تفاصيل يصعب الوصول إليها معتمداً على بعض المصادر المخطوطة كتحفة الأزهار ، ومطالع السعود ، وككتاب دوحة الوزراء وهو بالتركية . كما أدلى بمعلومات مهمة عن أحداث الزكرت والشمرت ، ودورهما في الحياة الاجتماعية .
ومن المعلومات التي ذكرها ، ويجدر التنويه بها ما ذكره عن الأمير العيوني، (ص260 ـ 261) وحادثة المشعشعي ، والسيد محمود الرحباوي وسبب مقتله ، وحادثة الحاج عطية ، وحادثة محمود عجينة ، وملا يوسف ، ورحلة نجيب باشا إلى النجف ، وحادثة أولاد الفيخراني ، وأغلب هذه الأحداث لا يعرف عنها أغلب النجفيين ـ وأنا منهم ـ أي شيء ، كما أن أغلب حواشي الفصل جديرة بالتنويه والاهتمام .
ومن فصول الكتاب المهمة الفصل التاسع الذي خصه لوصف الرحالة مدينة النجف ، فبدأ بذكر انطباعات الرحالة المسلمين ، وما سجلوه عنها بادئاً برحلة ابن بطلان المتوفى سنة 458هـ ، ثم ناصر خسرو (ت 481هـ)، ومحمد بن عبد الرحيم (ت 565هـ)، وعلي الهروي (ت 611هـ)، وابن جبير الكناني (ت 614هـ) ، وابن بطوطة (ت 779هـ) ، والسيد عباس المالكي الذي كتب عن النجف سنة 1131هـ في رحلته التي دونها في كتابه (نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس) ، وميرزا أبو طالب الذي ترجمت رحلته إلى الفرنسية وترجمها عنها أستاذنا المرحوم مصطفى جواد ونشرها بعنوان (رحلة ميرزا أبي طالب) ، وغيرها ، وختم بالمستوفي الذي لم يحدد تاريخ وفاته ولا تاريخ رحلته ، ولكنه أشار إلى أن كي لستراغ نشرها في كتابه (بلدان الخلافة الإسلامية) .
أما بخصوص الرحالة الغربيين فقد ذكر انطباعات الرحالة الدنيماركي نينور سنة 1765م ، والبرتغالي بيدورتكسيرا الذي زار المدينة سنة1604م، وبيتر ديلا فاله الذي مر بقربها سنة1625م، والفرنسي جان بتيست ، والدكتور هوليستر ، وبيترمان الذي زار المدينة سنة 1855م ، ومدام ديولافوا الفرنسية سنة 1881م ، والأمريكي جون بيترز الذي زار المدينة سنة 1890م ، والإنجليزي رولاندو يلكتس ، والمس غير تود بيل التي زارت النجف سنة 1911م ، والنمساوي الداموسيل الذي زار المدينة سنة 1912م ، وكانت آخر الرحلات التي وقف عندها ولم يحدد تاريخها على الرغم من أن حديثه عنها استغرق ثلاث صفحات من الفصل فهي رحلة السكرتيرة فرياستارك التي كتبت (فصلاً خاصاً ضمنته ملاحظاتها في كتابها صور بغدادية) .
ولا أشك في أن هذا الفصل يقدم خدمة كبيرة للدراسات التي ستتناول النجف في المستقبل .
أما الفصل العاشر فقد خصه للجمعيات السياسية والحزبية ، ويتبادر إلى الذهن أنه خاص بالنشاط السياسي والاجتماعي في النجف ، ولكنه تعداها إلى العراق ، وإيران ، وتركيا ، وبعض البلاد العربية ، وعلى الرغم من أن كثيراً من معلوماته لا تنسجم مع موضوع الكتاب وعنوانه فإن فيه معلومات غاية في الأهمية منها حديثه عن المشروطية ، التي يراد بها الحركة المطالبة بالدستور التي ظهرت في تركيا وإيران ، ودور النجف وحوزته العلمية آنذاك فيها ، كما خص المرجعين الميرزا محمد حسين النائيني ، والسيد اليزدي بتفصيل خاص .
ويبدو أن فقرة سقطت من مبحث (المشروطية ، خلطت الأمر خلطاً جعل من المؤلف مشاركاً في الأحداث . جاء في ص 326 (وفي الوقت الذي كانت فيه جريدة حبل المتين تغذينا بالمعلومات كان الصديق الشيخ ضياء الدين النوري يطلب لنا من مصر جريدة المؤيد واللواء والهلال ..) ، ثم يقول في صفحة 327 : ( وفي خلال عام 1325هـ/1907م بدأ النزاع على أشده بين جماعة شيخنا الخراساني والسيد اليزدي) ، ويقول في ص 328 : (أما الذوات الذين كنا نجتمع معهم لتدبير الأعمال ورسم الخطط بصورة سرية في سراديب النجف خشية العوام وحاشية السيد اليزدي فهم فريق من الأحرار المخلصين أذكر أسماء معظهم وهم ...) ، ثم قال في ص 329 : (وفي عام 1326هـ/1918 تحسن الجو لفكرتنا) ، وقد وقع مثل هذا السقط في غير موضع آخر من الكتاب ، متنه وحواشيه .
وفي هذا الفصل حديث عن جمعيات أخرى لا علاقة لها بموضوعه لا من قريب ولا من بعيد كجمعية أنجمن سعادة ، والجمعية القحطانية ، وجمعية الإخاء العربي ، والمنتدى الأدبي ، وحزب اللامركزية ، والجمعية الإصلاحية .
وختم الفصل بحديث عن الصحافة النجفية ، وعن المطابع ، وقد خلط المطابع النجفية بغيرها من مطابع العراق ، وكنت أود أن يفرد هذين الموضوعين بفصل خاص ، أو يفصل القول فيهما ولا سيما أنهما من الموضوعات المهمة .
أما الفصل الأخير فكان من حصة ثقل النجف السياسي ، واستغرق الصفحات 341 وحتى نهاية الكتاب في ص 409 حيث توقف عند ثورة 14 تموز 1958م ، وقد تحدث فيه عن شركة الهند الشرقية وأثرها في التغلغل البريطاني في العراق ، وعن الحرب الأولى ، وعن احتلال العراق، وعن سقوط النجف بعد سقوط بغداد ، ثم عن ثورة النجف ، والغرامة التي فرضت على أهلها بعد دخول الإنجليز أثر مقتل حاكمها ، وعن تمهيد ثورة النجف لثورة العشرين ، كما تحدث عن شخصية الحاج نجم البقال ، وإعدام الإنجليز إحدى عشرة شخصية نجفية بمساعدة بعض المتعاونين مع الإنجليز .
كان أخي الجواد قد أخبرني أن أغلب مسودات الفقيد قد انتقلت إلى حوزته ولا أشك في احتوائها على معلومات مهمة أخرى لم ترد في الكتاب ، وأراني بما أكنه من مودة وإخاء للمحمدين الجواد والسعيد أدعوهما إلى إخراج الكتاب ثانية بعد إضافة المعلومات التي تسد هناته وتربط بين فصوله ، خدمة لمدينتهما ووفاء لفقيدهما .
والكتاب في النهاية جهد ضخم عظيم ماتع من أوله إلى آخر ملحقه المصور أمدني شخصياً بسيل من المعلومات التي يصعب حصرها ، ولا أشك أيضاً أنه سيبقى مأثرة من مآثر آل الطريحي ، وحسنة جارية للفقيد تغمده الله برحمته وأسكنه فسيح جنانه .