بسم الله الرحمن الرحيم

 

الأخوة الأصدقاء أنجال الشيخ محمد كاظم الطريحي رحمه الله.

السلام عليكم ورحمة الله

 د. علي كريم سعيد

تتخفف وطأة المصاب، عندما يترك الراحلون عنا خلفهم رجالاً على شاكلتهم أبراراً وموهوبين. والشيخ الجليل الراحل فعل ذلك، وترك لنا في محمد سعيد ومحمد جواد وأخوتهم وأخواتهم ما يملأ الحياة السياسية والثقافية العراقية فكراً وثقافة وتحقيقاً ونشراً، بعد أن درَّبهم على طريق العدل والاستقامة، من أجل أن يشاركوا أخوتهم الوطنيين العراقيين محنتهم الراهنة.

عاش المرحوم وترعرع وسط مدينة تعبق أحيائها وأطرافها وجوامعها وحسينياتها الكثيرة بأجواء الاجتهاد والاستنباط والفلسفة ومناهج البحث الفقهي والتاريخي المختلفة، التي تميزها عن غيرها من المدارس الدينية الأخرى. وكان الشيخ يعرف أهمية ودور جامعة النجف الأشرف الإسلامية في تعزيز الخلفية النظرية والعلمية للعراقيين عموماً، وتناوَلَها بأعمال كثيرة. وعرف أيضاً أن ما اختزنه خلال حياته، من معرفة علمية وأدبية وروحٍ مثابِرة في البحث والتحقيق، إنما يعود إلى أجواء مدينته المشجعة والممتلئة بروح التحدي، تحدٍ شامل ليس للسلطات فقط، بل وفي مواجهة صعوبات العصر وتحديات الحداثة والأصالة في الداخل والخارج، فاستغل ذلك وتزود من علومها ومجالسها الرائدة ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.

ولم تنفرد النجف وحدها بذلك، بل وقفت إلى جانبها مراكز أخرى للإشعاع العقلي ولنشر الرسالة السماوية الإسلامية، مثل كربلاء وسامراء والكاظمية وغيرها.

ولا شك إن أي طالب علم يعيش تحت تلك السقوف الشريفة الطاهرة، سيمتلك الثقة والجرأة على خوض مغامرة التفكير النظري المجرد، وعلى التطلع السياسي نحو الحرية، وبسبب هذا وذاك أصبحت النجف، كما قال عنها الدكتور فاضل الجمالي: "منجماً للمثقفين"، فلم تكن النجف مجرد مؤسسة تعليمية كغيرها، بل كانت مركزاً لتعليم المعرفة العالية الممتازة جداً، أي مدرسة للنخبة من العصاميين الأَصيلين، الساعين لنيل درجة الاجتهاد، ليكونوا أئمة مُقَلَدين، وغير مضطرين لتقليد غيرهم.

إنها مدرسة تمتلك آلية حرة، تتيح، أكثر من طريق، لطلاب العلم فيها، كي يتخلصوا من القيود المعرفية الموجهة، إن وُجِدت، خصوصاً وأن الحوزة العلمية الإسلامية الشيعية ليست لها قيادة إدارية أو معرفية مُلْزِمة حتماً، بل يتساوى علمائها الأعلام في فرص الاجتهاد والاستنباط والحُكْم والخيارات الأخرى. كما إن كل أساتذتها وتلاميذها هم تلاميذ ومعلمين في آن واحد، أي أنهم يمارسون كلا الوظيفتين، وذلك بحسب الاختصاص والدرجة العلمية للمتعاملين معهم. وفوق ذلك فإن خيارات الاختصاص فيها متنوعة وكثيرة، من الفلسفة إلى علوم اللغة والمنطق وأصول الدين والفقه وغيرها، ولذلك كانت أبحاث الراحل الشيخ محمد كاظم الطريحي متنوعة وعميقة لاسيما في مجال الفلسفة والتحقيق.

وكنت قد تأكدت بعد عدة لقاءات مع الشيخ الراحل، بأنه كان واحداً من رجال سنوات القرن العشرين الذهبية لهذه المدينة الاستثنائية، كما وجدته يختزن الكثير من المعلومات السياسية والثقافية النقدية للمرحلة، التي عاشها المجتمع العراقي قبيل وبعد ثورة 14 تموز 1958. وبما أني كنت قد خططت للاستفادة من معلومات وخبرات طائفة من المثقفين النشيطين سياسياً خلال عهد الزعيم عبد الكريم قاسم، من أجل تنفيذ مشروعي الخاص بكتابة بحثٍ، آملُ أن يكون موضوعياً، لمرحلة ثورة تموز 1958، فقد ضربت معه أكثر من موعد، لكننا لم ننجح في الحصول على فرصة مناسبة لتدوين انطباعاته، بسبب ظروف كثيرة، بينها انتقالي وانتقاله إلى بلدي لجوء آخرين مختلفين.

وحينما بدأت صحته تتدهور تحت وطأة المرض الغادر، تكفل نجله الشيخ محمد جواد الطريحي مشكوراً، أن يعرض عليه بعض أسئلتي، وكان ذلك قبل أيام من رحيله وغيابه الجسدي. وقد حصلنا منه على بعض الملاحظات، التي سيتضمنها كتابي القادم "الإخفاق، أو اغتيال ثورة 14 تموز 1958".

كان رحمه الله من أولئك المثقفين الذين وقفوا مترددين بين طريقين، طريق العلم الديني، وطريق العلم السياسي. ولأنه كان قد أسس لنفسه قاعدة معرفية فلسفية ودينية راسخة، فقد اختار طريق البحث الفلسفي والسياسة والتعليم المدني، بعد أن وجد شعبه يتعرض لتعسف وظلم شديدين من طرف حكومات حاقدة ومشبوهة، فوظف كل ما يملك من طاقة في حملة التوعية السياسية والاجتماعية شعراً ونثراً وتحقيقاً وصحافة. وبسبب مواقفه السياسية الوطنية والقومية والإسلامية الشجاعة والمحرضة، لوحق وتعرض إلى الكثير من المضايقات والمتاعب، واضطر أخيراً إلى غربة إجبارية، ليعيش في بلاد الظلام الباردة، بعيداً عن دفئ بلاد النور، وعن جوار إمام المتقين (ع).

كلنا ثقة في أن يتمكن أبناء الشيخ الراحل وأحفاده مواصلة طريقه، وإتمام رسالته في فضح الظلم والظالمين، وأنا لله وأنا إليه راجعون.

 

د. علي كريم سعيد عبد الله

الجمعة, 19 تموز, 2002

 

 ذكرى العلامة الشيخ محمد كاظم الطريحي..