بسم الله الرحمن الرحيم

« والذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنّا لله وإنّا إليه راجعون »

صدق الله العلي العظيم

 

أحياناً تتحدث القلوب خصوصاً إذا مرّتْ في سِنَةٍ من ساعاتها فتتذكر نشأتها الأولى وما رافقها من أحداث ، كنّا والفقيد المحقق المغفور له الشيخ محمد كاظم الطريحي أصدقاء في الشباب وأخلاء في الكهوله أو كما يقال إستقبلنا الصبا رفيقين وماشينا الشباب زميلين وقد فرّقت حوادث الأيام بين شخصينا أعواماً طوالاً وقصاراً لكنّها لم تستطع أن تفرق بين نفوسنا وضمائرنا وأهوائنا وآرائنا ـ حتى أخبرت بنبأ وفاته وانتقاله إلى مثواه الأخير عند جوار السيدة زينب (ع) .

وها نحن نجتمع اليوم بعد مرور أربعين يوماً على رحيله كي نؤبنه ويعزّ علينا ذلك ، حيثُ المقام لا تشرحه العبارة وحديث النجف ومجتمعه وخصوصياته وما فيه من علماء وأدباء ومفكرين فما عساني أقول وأتحدث عنهم بهذه العجالة وهذا الوقت القصير ولعل حديثي سطراً من قمطر وجزءاً من كل أو غيضاً من فيض أو قطرة من بحر فلذا أستميح الحاضرين العذر إنْ قصّرت في العبارة .

لو سرّحنا الفكر وأطلقنا النظر على المجتمع النجفي بفصائله ثم أدرنا البحث وخصصناه بدور الجامعة فقط لوجدنا أن فقيدنا الراحل والذي اجتمعنا من أجله الشيخ محمد كاظم الطريحي له قسطٌ لا بأس به منها لأنه عالم وكاتب وأديب ومحقق وذلك من خلال مرورنا بحياته العلمية وما خلّفه من أثر باقٍ في مجال التأليف والتحقيق فكتابه عن الفيلسوف ابن سينا والكندي ونصير الدين الطوسي دليل على إلمامه واهتمامه بالفلسفة ، أما تنقيبه عن المخطوطات الشيعية وتحقيقها يدلنا على أنه متطلع بالمجال العلمي والمعرفي وكتابته عن أسرة آل الطريحي وعن الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء وعن الشيخ أحمد الأحسائي دليل آخر بأنه له معرفة كافية ودراسة في أحوال الرجال أما الناحية الأدبية فله باع طويل مستقاة من شروحه وسعة أفقه في مجالات الأدب من شعر ونثر وقصة إلى غيرها من المجالات التي نستوحيها من تأليفاته وكتاباته ومشاركته في ندوات زمانه ومجلاّت وجرائد عصره كالأدب في ثورة العشرين وديوان ابن كمونه وديوان الشيخ علي نقي الأحسائي وغيرها كل ذلك وهو واقف على قدمه وفي جهاد مستمر مع عسر الظروف التي مرّ بها من ضيق العيش ونكد الحياة وقلة الناصر في وقتها حتى إضطره الأمر للهجرة ومرارتها بعد أن ترك موطنه وموطن أسرته وأقرانه وأحبابه فكل ذلك محسوب في عين الله تعالى وقد يؤجر عليه حيث هي ضريبة تشيعه فرحم الله فقيدنا حيّاً وميتاً كما استشهد الشاعر ...

المرءُ بعد الموت أحدوثة  **  يفنى وتبقى منه آثاره

وأحسن الأحوال حال امرئ  **  تطيبُ بعد الموت أخباره

 أو الآخر حيث قال :

إنما المرءُ حديثٌ بعده ُ  **  فكن حديثاً طيباً لمن روى

سادتي العلماء إخواتي الأدباء أحبتي الحضور

لن يموت فقيدنا المغفور له الشيخ محمد كاظم الطريحي أبداً لأنه الذي خلّف أمثال الشيخ محمد جواد الطريحي والأستاذ المفوّه محمد سعيد الطريحي وبقية الأخوة محمد رضا ومحمد حسين ومحمد علي ومحمد مهدي ومحمد صادق ـ هذه النخبة الطيبة والمؤمنة والتي ساهمت في تطوير الأدب النجفي وعلّو مكانته ومع كونهم في المهجر وهذا مما يسجل لهم التاريخ بأحرف من نور ويضاعف لهم الأجر ـ هكذا سُنّة الحياة تجري ولابدّ للحياة من نهاية ...

مشيناها خُطاً كتبت علينا  **  ومن كتبت عليه خُطاً مشاها

ومن كانت منيتهُ بأرض  **  فليس يموت في أرض سواها

وختاماً للفقيد الراحل المغفور له الشيخ محمد كاظم الطريحي فسيح الجنان ولآل الطريحي وذوي الفقيد وأولاده حيث أشاطرهم العزاء الصبر والسلوان إنه سميع مجيب .

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

 

اسماعيل الخفاف

قم المقدسة في ليلة الخميس

27/جمادى الأولى/1423

 ذكرى العلامة الشيخ محمد كاظم الطريحي..