حزين ومهدود ومستوحش بفقدك أيها الشيخ الجليل ..

  الأستاذ الدكتور

 أكرم محمد عبد كسار

 

 

1

 

    كان لقائي الأول بالشيخ محمد كاظم الطريحي عبر نجله الأستاذ محمد رضا ولقائي الثاني عبر نجله الكاتب والباحث الألمعي الأستاذ محمد سعيد ولقائي الثالث عبر نجله القاضي محمد جواد، فإذا بي أراهم شعاع ينير ظلمة غربتي من ذلك القمر المنير الا وهو الشيخ محمد كاظم الطريحي .

2

    عرفت عن كثب الشيخ محمد كاظم الطريحي من خلال مؤلفاته وبحوثه ومشاركاته في مؤتمرات فكريه وتراثية في العراق وخارجه ، واستمر في عطائه منذ عام 1948 م وحتى قبل وفاته ببضعة اشهر وذلك عام 2000م ولم يترك فرعا من فروع المعرفة إلا وكتب فيه .

3

    اتسمت كتاباته بمنهجيته العقلية وتعمقه المفرط وابداعيته الفذة وبشكل توثيقي بما تشكله من مصادر للمعلومات المتنقلة بشموليتها والتي تستحق القراءة بكل ماتعنيه الكلمة من معنى ، ووجدت فيه من خلال العناوين التي اختارها لما دونه مفكرا جادا وروحا متوهجة تفسر لنا حركة روحه وقلمه ، ويرسم في الوقت نفسه صورة واضحة الدلالة لعصر خلاق نفتقده من خلال اتسامه بالأصالة وهذا النمط الفكري والنفسي حقيق أن يبين صدقه في إبداعات صاحبه ودراساته ، فلا يفلت من شيات هذا الزي ، الذي هو إهابه المغزول من دمه وعصبه ، وان يكون عنوانا له وعنوانا عليه ، لأن الشيخ ينفق عن سعة وسعته هي كل ما ورثه عن سلفه العظيم ، ولأنه يحتشد تماما لكل ما يقرأ ويكتب ، واحتشاده من نوع خاص من المعارف ، حيث ترفده ثقافه وسيعة ـ حصلها من عدة منابع البيت الذي نشأ فيه والمدينة التي عاش فيها ألا وهي النجف الأشرف الغنية عن التعريف ومتابعته لدراسته إضافة إلى جهوده الشخصية ـ ونظر عميق يتراحب في كل ما أنتج من الفقه والتفسير والحديث والفلسفة وعلم الكلام ، وعلوم الرجال والتاريخ والأدب العربي شعره ونثره ، في إحاطة مذهلة .

    لقد اجتهد الشيخ في إنتاجه العلمي وترك آثارا جليلة وله باع طويل في مضمار الإبداع والذي تمثل بمنحى ذي شجون لكونه يحمل وزر المتغيرات التي طرأت على الواقع المعاش خلال العقود الأخيرة من القرن الماضي .

4

    تجرع الشيخ في العقدين الأخيرين من القرن الماضي آلام وآلام منها إعدام ولده ـ الشهيد محمد حسن ـ بلا حق ولا ذنب ارتكبه سوى حبه لوطنه ورفضه للطغيان والجبروت والظلم ، وحرق مكتبته الثمينة بأيدي آثمة لا تفقه شيئا من العلم والحضارة بما حوته من ذخائر ونفائس ومخطوطات ومقتنيات ظلت مطلبا ومحجاً لطلبة العلم طوال عقود عديدة ، والتي جمعها خلال سنوات طويلة ، فبكاها بصمت طويلا مع ما رأى من ان سماء وطنه تلبدها سحب المحنة ، وتحوم فيها غربان التمزق والضياع وتدمير الذات ، والانتحار الحضاري ، وبرغم كل ذلك لم تخبو جذوته وحمل في داخله ذلك التشظي المعبر عن أزمتنا جميعا في الرحيل الى المنافي والانتقال الممض من مكان إلى آخر وبقي هاجسه الوطن وهو يغمر عقلك وقلبك ومقلتك بالحب والحنين والهموم .

5

    رحل شيخنا ، وزينتنا ، وقدوتنا . رحل من إذا وضعته على نافورة الجرح يبرأ ويستحيل نهرا من العزم والوفاء والأمل ... فالموت هو السطر الأخير من كتاب العمر كما الولادة هي السطر الأول فيه، وهو الحقيقة الثابتة في هذه الحياة ، لكنه يجيء قاسيا باردا ومتشحا باللوعة والذهول عندما يداهمك وأنت في المنفى تنتظر بزوغ فجر جديد لتعود لوطنك الذي أبعدوك عنه قسرا.

 

 ذكرى العلامة الشيخ محمد كاظم الطريحي..