
الأستاذ الدكتور محمود المظفر
(وما تدري نفس بأي أرض تموت) هذه الآية القرآنية البليغة لم نعد ندرك واقعها وعمقها وبعدها إلا حين قدّر لنا نحن العراقيين المهاجرين والمهجّرين عن وطننا العزيز الذي ما فتيء يرزح تحت وطأة القهر والإذلال ، أن ننأى عن الأرض الوطن كل هذه الحفنة من السنين وأن نضرب في الأرض طولاً موزّعين في أصقاع هذه الأرض الوسيعة.. وما أعتقد أن فقيدنا الكبير أبي الجواد الكاظم ابن الكاتب الطريحي الذي نحتفل اليوم بذكرى وفاته الأربعينية كان يتصور أن رقدته الأخيرة ستكون بعيداً عن أرض الوطن وأن يحرم من شرف الرقود إلى جانب مراقد أسرته الكريمة في النجف الأشرف أو الكوفة والمجاورة لمراقد أهل البيت الأطهار.
بل لعله ولعلني ولعل الكثير من جيلنا لم يكن يتصوّر في مخيلته أنه سيزوره فضلاً عن أنه يستقر في بلدة مثل هولندا والدنمارك أو استراليا أو نحوها من هذه الأصقاع البعيدة تصوروا مدى مأساتنا نحن الذين صار الواحد منّا يتمنّى أن يكحّل عيونه برؤية وطنه ولو قبل انتهاء أجله بيسير ! ولعلني أخال أن فقيدنا العزيز كان يردد دوماً في بلد الغربة هذه المقولة ، وبخاصة في أخريات أيامه ولا أعتقد ـ يشبع رغبته ـ ما جرى له من تشييع حافل بين ذويه ومحبيه ومن رقود إلى جانب مرقد سلالة النبوة (العقيلة الطاهرة) .
أيها الحفل المهيب ..
لعل الكثير منكم يعرف مدى ما تربطني بالأخ العالم الراحل أبي الجواد الكاظم وبأبنائه وأسرته من روابط القربى ومشاعر المودة وهذه الروابط كانت وظلت ممتدة إلى يومنا هذا فمنذ عهد الأجداد والآباء كانت الروابط معمقّة بين الأسرتين العلميتين ـ آل الطريحي وآل المظفر ـ وتوجت بعلاقات المصاهرة المتعددة وتعمقت بتلك الجيرة المميزة بطابعها وثقلها الخاص كما لا أنسى ما كانت تتميز به تلك العلاقة الخاصة بين الشيخ الوالد الراحل الشيخ محمد الحسن وبين والد الفقيد الشيخ كاتب الطريحي فلم يكن الشيخ العالم الكاتب يقصد يوماً النجف من عرينه الكوفة ولا يزور الشيخ الوالد حاضراً مجلس بحثه أو مجلسه الاعتيادي اليومي من دون تكلف ... وما ظل في ذاكرتي بهذا الصدد أن الشيخ الوالد رحمه الله كان قد عرض له في أخريات أيامه عارض صحي اضطره إلى ملازمة الفراش ، فأشار عليه المبادرة الخلود إلى الراحة ، وليس في ذلك الحين أفضل من مدينة الكوفة المطلة على نهر الفرات للاستجمام ، فنزل في دار الراحل آية الله السيد أبو الحسن الأصفهاني المجار لدار العلاّمة الشيخ كاتب ولمدة تزيد على ثلاثة أشهر . وخلال هذه الفترة لا أتذكر أن الشيخ الكاتب وهو عالم الكوفة وزعيمها الروحي آنذاك تخلف يوماً عن زيارة الشيخ الوالد قدس الله نفسه والانفراد به على الرغم من قسوة المرض ، وأقولها عن باب الطرفة أن الشيخ كاتب كان يدعو أهل الكوفة في الاكتفاء بالسؤال عن صحته دون التردد عليه وزيارته حرصاً على راحته .. بيد أن الشيخ كاتب نفسه كان لا يترك يوماً يمر إلا ويزوره للاطمئنان على صحته لذلك تندّر معه بعض زعماء أهل الكوفة ، وكيف تسمح لنفسك هذا النحو من التردد اليومي ؟ فقال : أنا من أهل البيت ولا كلفة بين أهل البيت الواحد .
وظلت هذه العلاقة متواصلة ومتأصلة حتى بعد رحيل أولاء المشايخ الكبار فورث الأبناء والأحفاد هذه العلاقة وتمثلتها شخصياً مع أخينا وصديقنا الكبير الراحل أبي الجواد الكاظم الذي بقيت وإياه نتزاور ونتحاور في شؤون كثيرة وبخاصة في نطاق الشأن الفكري الثقافي والعمل المؤسساتي والنشاط الإجتماعي ، ولم أشاهده يوماً إلا وهو يتأبط حفنة من الكتب والكتابات والمذكرات أو يتردد على مكتبات النجف ومطابعها المشهورة .
عرف الشيخ أبي الجواد بنشاطه ونبوغه المبكر ولا أنسى مشاركاته العلمية في عدد من المؤتمرات والمحافل الأدبية والعلمية وبخاصة في مؤتمر ابن سينا في طهران والذي عقد فيما يذكر قبل أكثر من خمسين عاماً ـ حيث كتب في هذه الأثناء وهو بعد ما يزال شاباً يافعاً بحثه الرائع عن ابن سينا ، ومما يظهر أنه انتهز هذه الفرصة ليعمل هناك على نشر وتحقيق بعض كتب الأسرة كغريب القرآن ومجمع البحرين وسواهما .
وظل لا يترك مؤتمراً إلا ويحضره ويجلّي فيه وظلت مشاركاته معلماً من معالم نشاطه الفكري .
ومن جانب آخر ظلت علاقاتي معه ممتده حتى مع قسوة الزمن وفي المرحلة الأخيرة من مراحل عمره الحافل بالعطاء وهي مرحلة الهجرة والتنقّل بدأ من الكوفة وبغداد ومروراً بكل من طهران والشام وجدة وانتهاء بهولندا والدنمارك حيث موطنه الأخير وكنت حريصاً على الاتصال به في معظم هذه المواطن وبخاصة عندما أقام نحواً من عام في مدينة جدة التي ما زلت أقطنها وكانت لقاءاتي معه في هذه الحاضرة مثاراً للتشاور والتحاور .
رحمك الله يا أبا الأشبال الأبطال ويا سليل الأماجد الأعلام وأجزل لك المثوبة على ما أديته من خدمات في حقول الفكر والمعرفة وما تركته من آثار ومأثر .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ...
الأستاذ الدكتور
محمود المظفر
23/8/2002م