كلام الناس
:مقبرة الشهداء الغرباء في مصب الشمس ..!!
جاسم المطير
بين الكوفة على الفرات ومقبرة الغرباء في جنوبي دمشق الشام زمان طويل..
وكفاح طويل..
وعلم غزير..
وحفر وقطع وزرع وإنبات وتنقيب في الأرض والعلم واكتشاف في المجهول وصعوداً مع الأنهار والجبال إلى مستويات الكفاح والعلم ..
حين يعقد إنسان عزمه على الرضا فأنه لا يرضى بغير انتصار العدل والحق ..
تلك هي روح وعقيدة الشيخ كاظم الطريحي الذي استطاع أن يكتشف شرائع البؤس في وطنه مثلما اكتشف الأرض العراقية العارية الصالحة لائتلاف الكروم في عناقيدها .
تحت يدي ، في هذه اللحظة ، كتاب مؤرخ في 12/12/ 1946 صادر من محافظة كربلاء ..
الكتاب جعلني أشهد صورة كل شيء في ذاك الزمان ـ لكن من بعيد ـ عبر كفاح إنسان غير منقطع لا عن صوت الشعب ولا عن آلامه ولا عن تطلعاته حتى غدا وجوداً محضاً يضم بين حناياه ، حتى ساعة موته ، بهجة النشوى .. أنه محمد كاظم الطريحي ، ملتصق بإيقاع لم يلفه خوف من مصاعب الحياة أو من نار السلطات الغاشمة المبرحة..
كان الشاب الطريحي في ريعانه ناحلاً بعود متصلب مثلما هو الرمح ، لا يصغي إلاً لصوت الحق وصوت الله والعدل يغور بين الناس في أعماق مدينتيْ الكوفة والنجف محرضاً العقول ضد الظلم والظالمين منطلقاً من أنوار الحوزة العلمية التي كان فيها طالباً للعلم ساعياً خلف الشمس القادرة على إنارة كل شيء ..
كان أسم الشاب كاظم الشيخ كاتب الطريحي وقوداً لغضب أعدائه ..
لأنه قرر أن يواصل الضرب في أوتار هذه الدنيا ..
ولأن محياه ليس غريباً فهو من أصول علمية .
ولأنه عاش في إهاب الناس الطيبين .
يطل عليهم فيعرفون وجهه.
يتحدث معهم بصوت الحق عبر السنين القاسية المطلة على حياتهم .
أما أسم كتاب المتصرفية فكان : توزيع بيان الحزب الشيوعي .
البيان موجه إلى جماهير الشعب العراقي يتناول فيه موقف الحزب الشيوعي من حكومة أرشد العمري الأنتقالية المتشكلة عام 1946
المتهم بتوزيع المنشور ( شخص قادم من بغداد وزع منه ستة عشر نسخة في شارع العباسية بكربلاء مستفيداً من ظلام الليل وأربعين نسخة في النجف وعلى خمسين نسخة في الكوفة مرمية في شوارعها ، وبنتيجة المراقبة السرية عثرت الشرطة في الكوفة على شخص يدعى كاظم الشيخ كاتب الطريحي من سكان الكوفة وهو طالب علم يدرس في النجف وبحيازته عشرة نسخ من المنشور المذكور ولكنه لم يعترف باسم الشخص الذي أعطاه إياها وقد تم توقيف المتهم والتحقيقات مستمرة معه ..)
لم يثنه القمع البوليسي عن مواصلة وقوفه إلى جانب قضية الشعب العراقي وحريته منذ ذلك الحين حتى وافاه أجله المحتوم في دار منفاه في الدانمارك من دون أن تكتحل عيناه بصور الحرية التي كافح من أجلها معلقة على صدور البؤساء ، من الرجال والنساء ، وعلى صدور العمال والفلاحين الكادحين ..
اتجه من أول عمره إلى العلم والأدب فنهل منهما ومن ابن سينا والكندي والفرطوسي وعلي بن أبي طالب وغيرهم..
بلي دربه بالعديد من المصاعب والنكبات التي تجمعت دموعها في الأرض العراقية الطاهرة التي صارت يبابا بزعامة صدام حسين ، فنال نصيبه من بطش عدو الحرية والإسلام فأعدم أبنه الطالب الجامعي ( محمد حسن) عام 1987 شهيداً من شهداء الحركة الإسلامية في العراق .
تشردت أسرته في بقاع الأرض وأحرقت داره ومكتبته في النجف بعد قمع انتفاضة 1991 الجبارة ..
ومن بحر إلى بحر ظل نائياً ، في الزمان والمكان ، يتحدى المرض حتى رقد ، رحمة الله عليه ، في مقبرة السيدة زينب ( مقبرة الغرباء ) التي صارت أرضها جزءاً من مملكة الشهداء العراقيين الغرباء إلى جانب رايات محمد مهدي الجواهري وهاني الفكيكي وهادي العلوي ، ومصطفى جمال الدين ، ومحمد جواد الدجيلي ..
ما زالت الأجراس تدق ضروب العذاب في أعناق شعبنا ..
لكن الريح الضارية ستخترق قريباً وكر الظالمين في بغداد ..فنم قرير العين أيها الشهيد الغريب الطريحي محمد كاظم وستنتقل ماستك من يديك إلى أيدي أولادك وأحفادك حتى تستقر ، كما أردتها في بغداد الحرية والديمقراطية ..
ــــــــــــــــــــــــــــــ
بصرة لاهاي في 21/8/2002
ذكرى العلامة الشيخ محمد كاظم الطريحي..