
محمد كاظم الطريحي
سماحة حجة الإسلام العلامة السيد
محمد عبد الحكيم الصافي
الكوفة مدرسة عظمى كانت زاهرة في يوم ما، ومسجدها الشريف حافل بنماذج فريدة من رجال الحديث والفقه والفلسفة، والذين قد يربو عددهم على أربعة آلاف شيخ كل يقول حدّثني جعفر بن محمّد، أهم مدارس الفقه الشيعي عبر التاريخ الإسلامي كما يلي:
1- مدرسة المدينة المنورة، واستمرت إلى أواسط القرن الثاني.
2- مدرسة الكوفة، ظهرت في بداية القرن الثاني، واستمرت إلى أواخر القرن الرابع.
3- مدرسة قم والري، ظهرت في بداية القرن الثالث، واستمرت إلى أواخر القرن الرابع.
4- مدرسة بغداد، وظهرت في منتصف القرن الرابع إلى احتلال بغداد.
5- مدرسة الحلة، وظهرت في أواخر القرن السادس، واستمرت إلى منتصف القرن العاشر.
6- مدرسة جبل عامل، وظهرت في منتصف القرن التاسع واستمرت إلى منتصف القرن الثالث.
لقد أصبحت الكوفة مدرسة للفقه الشيعي في أواسط حياة الإمام الصادق عليه السلام، وكانت الكوفة حينها من أهم المراكز الصناعية والتجارية والفكرية، فكان الناس يتقاطرون علبها حيث يجدُ فيها كل انسان مبتغاه، وقد أكسبها أهمية كبرى إنضمام جمع غفير من أصحاب الرسول والتابعين والذين شدّوا إليها الرحال لتكون لهم دار إقامة، وقد تربعت الكوفة على كرسي العلم والمعرفة عندما قدم إليها الإمام الصادق عليه السلام بطلب من الخليفة العباسي.
وفي هذه الفترة القصيرة استطاع أن ينشر أصول وقواعد المذهب لما تمّيزت به هذه الفترة من حرية مستفيداً من انشغال السلطة بتأسيس الدولة وأمورها السياسية.
ويقول البراقي في تاريخ الكوفة[1]: إنّ عدد الذين أموا الكوفة من الصحابة 148 صحابياً واستقروا فيها. وترجم ابن سعد في الطبقات 850 تابعياً ممن سكن الكوفة[2].
وقد لبث الإمام الصادق عليه السلام في الكوفة سنتين، يطلق عليها العصر الذهبي، حيث تمتع الإمام الصادق عليه السلام في هذه الفترة بحرية الأجواء التي ازدهر فيها العلم والرأي والرأي الآخر، والبحث عن الحقيقة، مما سنح للإمام الصادق الفرصة في طرح مذهب أهل البيت وتحديد معالمه، وإرساء قواعده، حيث لا مبرر للتقيّة حين ذاك، وكان حديث الإمام الصادق يأخذ طريقه للتطبيق العملي، ويتناقل الناس أنباء هذه المدرسة وصادقها جعفر عليه السلام، فتدافعوا إليها ينهلون من هذا السلسال الكوثري الطهور في مختلف فروع العلوم والفنون، وله في كل علم معرفة، وكان من أصحاب الإمام الإمام عليه السلام من فقهاء الكوفة أبان بن تغلب بن رباح الكوفي الكندي، وقد روى عنه عليه السلام ثلاثين ألف حديث، ومنهم محمّد بن مسلم الثقفي الطائفي، وروى عن الباقرين عليهما السلام أربعين ألف حديث وقد اشتهرت بيوتات في الكوفة عرفت بولائها للصادق عليه السلام، كما وقد اشتهرت بالفقه والحديث، كبيت آل عين، وبيت آل حيان التغلبي، وبيت بني عطية، وبيت بني دراج، إلى آخر ما هنالك من بيوتات عرفت بتشيعها.
لقد حمل قدماء الشيعة أقلامهم التي راحت تحبر الصحائف ساردةً الأحاديث الشريفة التي تنوف على ستة آلاف وستمئة كتاب جاءت على ذكرها كتب الرجال، من بينها الأصول الأربعمئة.
ولأنّ النجف الأشرف الامتداد الطبيعي للكوفة ولعوامل أخرى منها هجرة شيخ الطائفة الطوسي لها ووجود مرقد باب مدينة العلم علي عليه السلام بها، تأسّست وازدهرت مدرسة علمية فخمة تعجّ بأكابر أهل العلم ورجالات التحقيق، وتمّيزت مدرسة النجف الأشرف بأُسرها العلميّة والأدبية الكثيرة، نذكر بعضاً منها:
1- أُسرة آل الجواهري.
2- أُسرة آل كاشف الغطاء.
3- أُسرة آل بحر العلوم.
4- أُسرة آل شيخ راضي.
5- أُسرة آل الحكيم.
6- أُُسرة آل المظفر.
7- أُسرة آل الطريحي[3].
وهذه الأُسرة الأخيرة أعني (آل الطريحي) قد استوطنت النجف الأشرف في القرن السادس، وقد نبغ منها رجالات لا زالت بصماتهم على صفحات التاريخ، كما أنّهم نالوا شرف السدانة في الروضة الحيدرية، وقد برز ونبغ من هذه الأُسرة أعلام أجِلاّء، منهم:
1-الشيخ فخر الدين، الذي طوّق جيد الدهر بقلائد ذهبية، فكتابه ((مجمع البحرين)) الذي لا يكاد يستغني عنه فقيه، حيث أولى اهتمامه في المفردات اللغوية التي يشتمل عليها الحديث الشريف ليتسنى للفقيه معرفة معانيه الدقيقة في موضوع الحديث فيعينه ذلك على استنباط الحكم الشرعي، ومن كتبه القيّمة أيضاً (( تفسير غريب القرآن)) و ((جامع المقال في أصول الحديث)) و ((ضوابط الأسماء)) وغيرها من كتب لا يستغني عنها من يتصدى للاستنباط، حيث هي الآلية للفقيه، وقد توفي - قدس سره – سنة 1085 هـ .
2-الشيخ صفي الدين، وهو عالم كبير توفي 1100 هـ ، له مؤلفات كثيرة، منها:
(( مباحث علم الكلام)) و((هداية المسترشدين في الردّ على الطبيعيين)) و(( وسائل السؤول في علم الأصول)).
3-الشيخ نعمة الطريحي، كان من أكابر علماء الحديث والتفسير.
4-الشيخ عبد الحسين الطريحي، قال عنه السيّد حسن الصدر : (من أكمل ما رأيت من علماء النجف الأشرف)، من كتبه : ((إيضاح الكلام في شرح شرائع الإسلام)) و((متقن المقال في أحوال الحديث والرجال)).
5-الشيخ كاتب الطريحي، وهو عالم وأديب، وشاعرٌ كبير، ومن زعماء ثورة العشرين، له حاشية في المنطق، وكتب في النحو والصرف وديوان شعر ومذكّرات حرب الشعيبة ضد الإنكليز 1914م وثورة العشرين.
6-الكاتب الكبير الشيخ مولى الطريحي، أديب فاضل من أعلام النجف، تحفل مكتبته بكتب خطيّة قيمة، صدر له : ((فدعة أو خنساء خزاعة))، الشاعرة المعروفة، وصدرت له مجلة باسم ((الحيرة))، وكان بيته منتدى للأدباء والفضلاء، وكنت من روّاده.
7-المغفور له الأستاذ محمد كاظم الطريحي، أديب لامع وكاتب قدير، ومتحفٌ تراثيٌّ متنقّل، وقاموس رجال.
تربطني بهذه الأسرة علاقات حميمة تعود إلى المغفور له الشيخ كاتب الذي يكنُّ له السيّد الوالد السيّد عبد الحكيم الصافي رضوان الله عليه كل تقدير وإجلال، لمست ذلك حين كان يصحبني السيّد الوالد في زيارته له في الكوفة وفي لقاءات بينهما متعددة، وشاءت الظروف أن أجدد الصحبة مع نجل الشيخ كاتب كما كلن السيّد الوالد مع أبيه، وذلك في سوريا، وضمتنا سوياً مجالس علمٍ وأدب وتاريخ، وما فتئ قلمه يحبر الصحائف جار ليله ونهاره رغم وضعه الصحي المترّدي، ولكنه كما قال أبو الطيب المتنّبي :
وإذا كــــانت النــفوس كــــباراً تـعبت فــي مـرادهـا الأجسامُ
كان يحدثني أنّه مشغول بمدوّنة عقائدية شبيهة ب((الملل والنحل)) للشهرستاني، و ((فرق الشيعة)) للنوبختي و ((الشيعة في التاريخ)) للشيخ محمّد حسين الزين، ولا أدري ما المدى الذي بلغه في هذا الشوط، وقد أدلى بعناوين متعدّدة من الكتب لا أدري ماذا حقق منها.
حيث كنا نستمتع بحديثه الشيّق وبما حواه من مُلح ونكات أدبية وذكريات إذ قد ترعرع ونما في وادي العباقرة (النجف الأشرف)، ينهل من نمير أولئك الأفذاذ الذين زينوا التاريخ بما سطّرته أقلامهم، منهم : الشيخ مهدي الحجار، والشيخ قاسم محي الدين، والشيخ محمّد جواد الجزائري، والشيخ محمّد طاهر آل راضي، وذلك مما أهّله إلى الارتقاء إلى البحوث العالية تحت منابر أمثال الشيخ عبد الحسين الرشتي، والسيّد جواد التبريزي، والسيّد محمّد تقي بحر العلوم، وكان زبدة المخاض ذلك القلم المثقف والفكر الواعي والشعور بالمسؤولية مما دعاه أن يجولَّ في كافة مناحي الحياة وفي اتجاهات مختلفة وإن اتحدت في الهدف.
كان في مقتبل عمره نشطاً تراه يجري قلمه في البحث والدراسة والنشر في الصحف والمجلات الذائعة الصيت في العراق وإيران ومصر ولبنان وسوريا باسمه الصريح أحياناً وبأسماء مستعارة أحياناً أخرى.
وطوراً آخر في مجال السياسة تراه يحمل هم شعبه غير عابيء بالإجراءات القمعية التي يتبارى فيها رموز الأنظمة الجائرة في تلك الفترة، ففي يوم 28 كانون الأول سنة 1946م ألقي القبض على الشيخ كاظم الطريحي والذي تبين أنّه كان تحت مراقبة سرية دقيقة حيث وجدوا في حوزته مناشير تدعو إلى مقاطعة الانتخابات النيابية، والتضامن بين الأحزاب السياسية بإسقاط وزارة نوري السعيد، وإنّ لمن دواعي الإكبار للشيخ كاظم أنّه لم يعترف على الشخص الذي سلّمه تلك المناشير مع كلّ ما عاناه من التعذيب والتهديد والوعيد[4].
وظلّ ذاك الرجل القوي المراس، الشديد البأس ناذراً نفسه لمقارعة الاستعمار البريطاني وعملائه في العراق، كان مع الكثير من إخوانه في النجف الأشرف في ثورة (2 مايس 1941م)[5]، يقودون المظاهرات ويلهبون الناس الحماسة تأييداً لهذه الثورة الوطنية والتي فشلت أخيراً في تحقيق أهدافها لعوامل عدّة، وظلّ الشيخ الطريحي بلسانه وسنانه في الصفوف الأمامية منذ عام 1941م وحتى 1991م لم يهدأ له بال، ولم ولم يغمض له جفن وكأنّه المعني بقول مفخرة الشعر العربي أبي الطيب المتنبي :
لكــل امــرئ مــن دهـــره مــا تـعوّدا وعادات سيف الدولة الطعن في العـدا
حياة ٌ أمضاها في المعتقلات والسجون والاستدعاءات، وكانت الفادحة التي مُـني بها أن أضرموا النار في مكتبته، تراث آل الطريحي القيم، والذي حوى نفائس المخطوطات ونوادر المطبوعات، ولِما عُرف عن الطريحي من طول باع، وسعة إطلاع كان يحظى بالدعوات من المؤتمرات المعقودة داخل العراق وخارجه،وقد أثرى المكتبة العربية بمؤلفاته ودراساته.
إنّ الشيخ كاظم الطريحي من الخالدين ليس بما كتب وألّف، أو بما حاضر وساهم، بل بما أنجب أيضاً، فهو أبو الأساتذة (فيهم ماء ذاك الورد إن ذهب الوردُ)، شتّتهم السياسة الظالمة، ولكنهم كالغيث أينما حلّ نفع، لقد دقت ساعة نهاية كاظم الطريحي في 18 ربيع الأوّل 1423هـ الموافق 26/6/2002م.
وآثر أهله - ولعلها بوصية منه – أن يرقد في حمى عقيلة آل هاشم زينب سلام الله عليها، في سوريا وكان لإعلان التشييع ضجّة أسى ولوعة لإخوانه وعارفي فضله، فشيعته الجماهير إلى حيث مرقد السيدة زينب ليكون آخر عهده زيارتها سلام الله عليها، وقــّدمني أنجاله الغرّ الميامين للصلاة عليه وحاولت أن أعتذر لأنـّي قد لا أطيق أن أراه مسجى بين يدي، وقد أحسن من قاله :
ودعتـــه وبـــودّي لو يــودّعني صــفو الحــياة وإنّــي لا أودعــه
بـقـلـم
السيد محمد عبد الحكيم الصافي
ذكرى العلامة الشيخ محمد كاظم الطريحي..
[1] تاريخ الكوفة، ص: 408 .
[3] النجف الأشرف خواطر وذكريات- عامر الحلو- سنة الطبع 25 محرم 1405هـ .
[4] تاريخ النجف السياسي 1941-1958 ، ص: 73 ، لمؤلفه مقدام عبد الحسين فياض، رسالة ماجستير في التاريخ الحديث، سنة الطبع: 1423 هـ - 2002م منقولة عن (التقرير السري لمتصرف لواء كربلاء إلى وزارة الداخلية المرقمة 3/735 في 30 كانون الأول 1946 دار الأضواء – لبنان – بيروت، الطبعة الأولى.
[5] وكانت بقيادة رشيد عالي الكيلاني الذي شكّل حكومته في 1 نيسان 1941م.