
بسمه تعالى
ذكريات الشباب مع الأستاذ الطريحي (1)
الأستاذ الدكتورالشيخ محمد حسين الصغير
الأستاذ الأول المتمرس في جامعة الكوفة
بعد الرابع عشر من تموز 1958 اشتدت الأزمات السياسية في العراق ، وانقسم الشعب العراقي إلى اتجاهات متعددة في الانتماء الفكري والعقائدي ، وتصاعد المدّ الأحمر بشكل ينذر بالخطر ، واستقال الوزراء الستة من حكومة الزعيم عبد الكريم قاسم ، وترك الأستاذ الشيخ محمد مهدي كبه منصبه عضواً في مجلس السيادة ، وهو أعلى سلطة في البلاد ، إذ لم تقبل استقالته ، فهو والفريق نجيب الربيعي وخالد النقشبندي الذين يقبلون استقالة الآخرين ضمن الدستور المؤقت .
وكانت النجف الأشرف مركز الثقل الديني والوطني في العراق ، وكان الضغط عليها سياسياً وحزبياً ضغطاً مضاعفاً ، وقد أتيحت لها قيادة فذة حكيمة متمثلة بسماحة الإمام السيد محسن الحكيم قدس سره الشريف (توفي 1970م) فأدار الشؤون بروية وصلابة وثبات ، وسيطر مع انفلات الأمر ، وأمسك بزمام المبادرة مع شدة الصدام وقوة التحرك المضاد ، ووقف إلى جنبه المراجع العظام الشيخ عبد الكريم الجزائري والسيد عبد الهادي الشيرازي والسيد محمود الشاهرودي وسيدنا الأستاذ الإمام الخوئي (رضوان الله عليهم أجمعين) ونهض جماعة العلماء بقيادة آية الله الشيخ مرتضى آل ياسين بواجبهم الشرعي بما أصدروه من بيانات تحث على التمسك بشريعة سيد المرسلين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فأنصت لها العراق من أقصاه إلى أدناه .
ومرّت الظروف الصعبة شديدة يصاحبها العنف الثوري حيناً ، والاستهتار الهمجي بالقيم حيناً آخر ، والاحتجاج الكلامي بعض الأحايين ، وكانت الصحف العراقية تمثل هذه المفارقات كافة حتى إذا أُلقحت شرارة الموصل بقيادة العقيد عبد الوهاب الشواف في آذار 1959 اختلفت الحال ، وصُبّ البلاء صباً على الفصائل الدينية والوطنية والقومية في البلاد ، وأفرغت الساحة للحزب الشيوعي العراقي يصول فيها ويجول ، وسفكت الدماء في الموصل وكركوك والبصرة والمسيب والنجف الأشرف وكربلاء وعدة قصبات أخرى ، وانتهت شرارة الموصل بقتل الشواف والحكم بإعدام ألمع الضباط العراقيين كالزعيم ناظم الطبقچـلي ووالعقيد رفعت الحاج سري ورفاقهما ، وكانت الوفود تترى على الإمام السيد محسن الحكيم للتوسط بإنقاذهما من تنفيذ حكم الإعدام ، وكان غاضباً على الزعيم عبد الكريم قاسم بسبب صدور قانون الأحوال الشخصية المخالف لنص كتاب الله (يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين) فجعلها في قانون الإرث والقضاء (للذكر مثل حظ الأنثى) ، فأرسل كتاباً لرئيس مجلس السيادة الفريق نجيب الربيعي (2) يحثه بنصح رئيس الوزراء ـ على حد تعبير الإمام الحكيم ـ بعدم تنفيذ أحكام الإعدام بحق هؤلاء الضباط من ذوي السمعة الوطنية ، لأن الإعدام مما يدع الديار بلاقع ، فلم ينتصح عبد الكريم قاسم مع وعده الربيعي بالاستجابة لأمر الإمام الحكيم ، ونفذ حكم الإعدام في أم الطبول في 20/9/1959 .
لقد كان تنفيذ هذه الأحكام السابقة لها الأثر السيئ في تفكير النجف يضاف لها مجزرة الموصل الرهيبة ، فالثورة تأكل أبناءها كما يقال ، و الطبقچـلي وسري لهما شعبية ومحبة لدى العراقيين ، وقد أوصى الطبقچـلي بأن يصلّي عليه الإمام الحكيم والإمام الجزائري فإن لم يتمكنا فليقرءا عند قبره الفاتحة . (3)
وهنا أطبق الوجوم على النجف الأشرف وتملكه الذهول المطلق ، والدماء غضبي في العروق تكاد أن تنفجر ، ويُتوفى فيما يشبه الفجأة الإمام السيد حسين الحمامي 1959 بقمة الأحداث ، ويقام له تأبين عظيم برعاية السيد محسن الحكيم وحضوره ، فيلقي كاتب هذه السطور قصيدته ويعرض للمأساة :
|
والموصل
الحدباء أسْدِل فوقها |
|
ستراً ..
فصمتي من مقالي أشعر |
|
ماذا
يحدّث شاعر عن فتنة |
|
بالفوضوية سيلها يتحدر |
|
وبأرض
كركوك ضحايا أمة |
|
قد لفّهم
أجلٌ رموه مقدر |
|
وإذا
بأنصار السلام عصابة |
|
للأجنبي
يقودها ويسيّر |
|
وإذا
«السلام» على الشعوب لما ارتأى |
|
همم
الحروب ، قذائف تتفجر |
|
وإذا
الجموع مسخرون لطغمة |
|
شرقية
الأهداف لا تستبصر |
والقصيدة تتجاوز المائة بيت ، وتصبح على لسان الشباب ، وتطبع كراساً بعنوان في رثاء الإمام الحمامي وتنتشر في البلاد ، ويُسلق الشاعر بألسنة حداد في الصحف الشيوعية (اتحاد الشعب) و (صوت الأحرار) و (الفرات) التي وصفت الشاعر بأنه (شاعر صوت العرب وأحمد سعيد العراق) .
وصوت العرب إذاعة في القاهرة هاجمت الشيوعيين ، وأحمد سعيد أبرز المذيعين والمعلقين فيها .
ويقيم النجف الأشرف أضخم احتفال في ميلاد الإمام علي عليه السلام في مسجد الهندي من قبل الشباب النجفي ، وهو أول مهرجان جماهيري في 1959 ـ 1379هـ ، ويحضره الآلاف وعريف الاحتفال الشيخ الدكتور أحمد الوائلي ، وقدم كاتب هذه السطور بعبارات أنيقة فألقيت قصيدتي وكانت عنيفة منها :
|
وإن
حزباً دخيلاً في مبادئه |
|
لينين
فيه أقرّ الذل والهونا |
|
يكاد
يعرب عن فحوى مؤسسه |
|
للزيف
زيفاً وبالتلوين تلوينا |
|
(الفوضويون) داء لا دواء له |
|
عيّا
فياليت شعري من يداوينا |
|
القتل
والسحل والتخريب ديدنهم |
|
والنهب
والسلب الفوه موازينا |
|
ضجّ
العراق بأهليه بما ارتكبوا |
|
وجرعوا
الشعب زقوماً وغسلينا |
|
تهرء
الحكم وانهارت قواعده |
|
وسوف
تحمي في الجلى مواضينا |
|
وسوف
ينجاب ليل ساد أربده |
|
وسوف
يشرق فجر في مغانينا |
|
لابد
نقضي عليهم فانتظر فرجاً |
|
أو
يرسفون بأغلال مساجينا |
|
لو كنت
من مازن لم تستبح إبلى |
|
بنو
للقيطة من أتباع (لينينا) |
|
لكن قومي
وإن كانووا ذوو عدد |
|
لا يدرؤن
شيوعياً وصهيونا |
|
وهكذا كل
ما في الدين قد لصقوا |
|
زوراً
وإفكاً فكي يرضوا (ستالينا) |
وهجم الشيوعيون على المسجد الهندي ، وقُطع الحفل وتفرق الناس ، وحامى أغلبهم عن الشاعر ووقفوا سداً بشرياً دونه حتى إذا انقضت الغوغاء اصطحبه ثلاثة من الرجال الأشاوس كان من بينهم مسلّح واحد ، وهم السيد جواد شبر والشيخ هادي لايذ والشيخ عبد الوهاب محي الدين واتجهوا نحو الحرم ، محاطين بجملة من النجفيين المدافعين فدخل الشاعر والسيد الخطيب جواد شبر معه إلى الروضة الحيدرية ، ووقف الآخران بالباب ، وهيأت للشاعر سيارة نقلته إلى المبيت في غير داره ، وبات في منطقة الحنانة عند المغفور له الحاج عبد الحسين القاموسي ، حيث غادر صباحاً مبكراً إلى بغداد ، وكان هذا آخر عهده في النجف آنذاك .
والتحق بدار المعلمين في الأعظمية وأبعد إلى الكوت بعد تخرجه وكان المفروض أن يعين في بغداد لأنه من الأوائل على الخريجين إلاّ أن مدير التعليم العام آنذاك السيد عبد الحميد البكر أبلغه أنه غير مرغوب فيه في بغداد وعليه الالتحاق في الكوت وكان ذلك عام 1960 .
ذهبت إلى الكوت وحيداً ونزلت (فندق جبهة النهر) والتحقت بالمدرسة الغربية النموذجية ثم في متوسطة العزة حتى عام 1963 .
كانت هذه الفترة في الكوت مريرة ولذيذة بوقت واحد فهي مريرة لاختلاف المناخ العقلي والثقافي عن مناخ النجف الأشرف وبغداد وهي لذيذة لالتقائي بنخبة من الأصدقاء الأفذاذ كإبراهيم الشبوط ، وعبد الواحد عبد الرضا ، وإبراهيم شيخ حسون وجواد محمد قريش وصبيح مكي والشيخ حمود الساعدي والفقيد الشيخ محمد كاظم الطريحي وكنت آنس به أنساً خاصاً فهو يذكرني بأبيه الشيخ الظريف النابه الأديب المتواضع لقد كنت أحب أباه الشيخ كاتب الطريحي حباً فطرياً وتلقائياً فهو من رجال ثورة العشرين وهو أحد شعراءها كان يتحدث معي عن أحداث الجهاد ونضال النجف الأشرف في ميادين القتال جند الإنكليز وكان ينشدني من شعره المقبول وأنا أعجب كثيراً من ذلك لأنه يكبرني بخمسين عاماً أو أكثر إلا أنه يرى بي شاعراً كبيراً تفضلاً منه وقد لا أستحق ذلك وأنا أغتبط غبطة رائعة حينما أجدني أمام شيخ مجرّب للأمور وهو يحدثني حديث الأخ لأخيه بكل تواضع وبساطة وسلامة علماً بأنه إمام للجماعة في مسجد سوق الكوفة معروف آنذاك باسم (مسجد الشيخ كاتب الطريحي) ولا أعلم من تاريخه أكثر من هذا وهو مسجد قديم يقع بعد نهاية السكة الحديد باتجاه السوق فيما بينه وبين نهر الفرات (شط الكوفة) تدخل إليه من شارع ضيق لا يتجاوز أربعة أمتار وبابه الأول على اليسار من هذا الزقاق تهبط سلالم اثنين أو ثلاث وتصل إلى قاعة مسجد في فسحة لا صغيرة ولا كبيرة ثم تدخل حرمه وهو مبني على اسطوانات ترتفع من أسفله إلى أعلاه لتمسك بالسقف المعقود بالآجر ذي الأقواس والحنيات فإذا أطلّ عليك (الشيخ كاتب) بقامته القصيرة ولحيته الكثيفة وبسماته المتلاحقة والفاظة المتسارعة تجد نفسك بين يدي شيخ بروح الشباب وشاب بهيئة الشيوخ وكم من نادرةٍ تضحك الحاضرين بأدب وطُرفةٍ تُشيع روح المرح والأنس بين الأصحاب والأحباب هذه لمحة عاجلة تشدني إلى الأستاذ محمد كاظم الطريحي بأبيه المغفور له رحمة الله عليه .
أما الفقيد فقد صحبته في الكوت ـ وهو لواء أو محافظة في الجنوب الشرقي من العراق ـ صحبته هذه المدة في أيام الشباب الماضي فكان إنساناً لطيف المعشر واضح المرؤوة كثير الدعابة خفيف الظل رقيق الروح أشغل مهنة التعليم بجدارة واحتل مركزاً في الكوت مناسباً واشترك معي في أول مهرجان تقيمه مدينة الكوت في ميلاد الإمام الحسين عليه السلام 3 شعبان 1380هـ ـ 1961 وكان الاحتفال في مسجد الكوت الكبير وحضرة المسؤولون كافة وطبقات الشعب المختلفة وألقى الفقيد كلمة حلّل فيها شخصية الإمام الحسين عليه السلام فيما أتذكره وألقيت قصيدة مطلعها :
|
سر في
هداك ونوّر الآفاقا |
|
وتبنى
جيلاً صاعداً خلاّقا |
كما اشترك آخرون من أدباء الكوت ألاّ أن المجتمع بكل تواضع قد اعتبر كلمة الفقيد هي كلمة الحفل واعتبرت قصيدة منشئ هذه السطور قصيدة الحفل واشتركنا سوية في رثاء العالم الرباني الشيخ هادي أسد الله الكاظمي إمام جامع الكوت وعالمها في الحفلة الأربعينية التي أقيمت في جامع الكوت .
ويقيم العراق الذكرى الألفية لفيلسوف العرب الكندي فيؤلف الفقيد الأستاذ محمد كاظم الطريحي كتابه القيم (الكندي فيلسوف العرب الأول) فيعجب به الزعيم عبد الكريم قاسم ويلاقي الكتاب صدى كبيراً في الكوت وكان مدير معارف الكوت آنذاك مغفّلاً او متغافلاً فيصاب بالدهشة أن أحد رجال التعليم عنده يؤلف مثل هذا الكتاب الجليل .
وكان الفقيد المرحوم عبد اللطيف الدراجي محافظاً لمدينة الكوت وكنت صديقه الأول وهو يحترمني ويحترم كل من يمت إلى النجف الأشرف بصلة فهو أحد الضباط الأحرار بل هو الذي احتل الرصافة في 14 تموز وكان عازفاً عن كل منصب وقد أسند إليه عبد الكريم قاسم وزارة الدفاع فأبى ذلك ، واختار منصب آخر الكلية العسكرية باعتباره أحد المدرسين فيها ولمّا كان محسوباً على القوميين عين في الكوت محافظاً تبعيداً وهو منصب لا يناسبه وكان يرتاح إلى الفقيد وإلى زملائه لأحاديثهم الشهية وأدبيات النجف ، ونوادر المجالس ، والصلابة في المبدأ .
وانطوت الأيام وانتقلتُ إلى بغداد وانتقل الفقيد إلى النجف فما كنّا نلتقي إلاّ قليلاً حتى إذا عدّت إلى النجف في 1969م رجعت الصلة كما كانت وأن سكن الكوفة الغراء وسكنت النجف الأشرف ولكن الندوات الأدبية كانت حلقة الوصل والالتقاء وحينما عنيتُ أستاذاً في كلية الفقه عام 1975 كان يتعاهدني في الزيارة وقد نجتمع في غرفة العميد مع بقية الأساتذة وإذا بروحه الفياضة هي تلك الروح النابضة بالمرح الهادئ والأدب الجم والنكتة البارعة وقد يثير بعض التساءلات العلمية فنتباحث بها شطراً من الوقت وكانت آخر زيارة له لكلية الفقه عام 1989 دخلت الكلية ووجدته في المدخل ثائراً غاضباً ، ولا أعلم لذلك سبباً فأخذته من يده وصعدت فيه إلى غرفة الأساتذة وأجلسته إلى جنبي وسألته ما الذي أثارك هذه الإثارة ؟ فقال بالنص : يبدو أن بعض الإخوان أصبحوا دكاترة ، قبل مجيئك كنا في نقاش علمي فأساء بعضهم فهدأته وطيبت خاطره وقلت له : أنت أستاذ باحث محقق قدير لا يضيرك من يتطاول عليك ولو اخبرتني به لأخذت بثأرك منه فامتنع أن يخبرني باسم أحد وكان هذا من طيبته .
وفي التسعينات كان آخر لقائي به أن خرجت من الحرم الحيدري الشريف بعد صلاة الظهر وإذا به يقف في دورة الصحن ينتظر سيارة ووقفت له بسيارتي واركبته معي بعد امتناعه لأنه كان قاصداً إلى الكوفة قلت له وما يضيرني ذلك وقد أدّيت صلاتي وليس هذا وقت تناول الطعام بالنسبة لي وهي لحظات سعيدة أن تجلس إلى جنبي أوصلك إلى دارك وهي على نهر الفرات ممتعاً النظر بالماء والخضراء أما الوجه الحسن ففي ذلك أشكال لأن الشاعر يقول :
|
ثلاثة
تذهب بالنفس الحزن |
|
الماء
والخضراء والوجه الحسن |
وكان هذا آخر عهدي بالنجف الأشرف وآخر عهده به .
وذهبت الأيام سراعاً وانطوت الأحلام سراباً وإذا بي أجدني في تشييع جثمان محمد كاظم الطريحي في الشام صبيحة يوم 5/7/2002 ، 24/ربيع الثاني/1423 سائراً على الإقدام حتى مثواه الأخير عند مرقد عقيلة الهاشميين زينب ابنة أمير المؤمنين في مجموعة كبيرة من المحبين فسقيت الثرى بالدموع راثياً نفسي من خلاله تغمده الله برحمته ..
ولئن مات الأستاذ الطريحي فلن يموت ما تركه من آثار كان آخرها ما أنجز طبعه قبل وفاته بيومين 27/6/2002 وهو كتاب (النجف الأشرف مدينة العلم والعمران) وكان هذا مسك الختام .
(1) أملى علينا العلاّمة الأستاذ الدكتور الشيخ محمد حسين الصغير حفظه الله الأستاذ الأول المتمرس في جامعة الكوفة هذه الخواطر والسوانح الفكرية عن ذكريات الشباب مع الفقيد العزيز وكتبتها على سجيتها دون مراجعة ليلة 14/8/2002 المصادف 5/جمادى الآخرة/1423 .
محمد جواد الطريحي
(2) أنظر نص الكتاب في مذكرات الزعيم الركن المرحوم ناظم الطبقچلي .
(3) أنظر نص وصية ناظم الطبقچـلي بخطه عشية تنفيذ حكم الإعدام في مذكراته آنفة الذكر .