في تأبين المرحوم

الأستاذ محمد كاظم الطريحي

                                                                                                                                                                                                                   

 

 

                                                                                                                                                         الأستاذ الخطيب

                                                                                                                                                  السيد مهدي السويج   

                                                       

    من مركب النقص في المجتمعات المتخلفة معنوياً الاقتصار على معرفة الشخص معرفة سطحية والإهمال أو التهاون بمعرفته معرفة عميقة حتى إذا فقد أصبح فقده مفتاحاً للمعرفة المطلوبة ، فيكون فيها المسيء عبره والمحسن قدوة, ولأن الموت الذي أغمض عيني المحسن أو العالم فتح العيون للنظر إلى مآثره وآثاره:

 

فتح الموت إذ أغمض عينـ

 

 

ـه عيون الورى على حسناته

 

 

    وحينئذ ينطلق لسان حاله تجاه المقصر في حقه:

 

لألفيتك بعد الموت تندبني

 

 

وفي حياتي ما زودتني زادي

 

 

    إن فقيدنا الغالي: من الأفراد القلائل الذين ينطبق عليهم هذا الوصف إنه الأستاذ الفاضل محمد كاظم نجل العلامة الشيخ كاتب الطريحي أسدي النسب حسبي المجد فالطريحي نسبة إلى علي بن أحمد بن طريح النجفي الرماحي من أعلام الأدب وهو جد لعدد من العلماء الأعلام منهم فخر الدين بن محمد علي بن أحمد المذكور المتوفى عام 1085هـ من مؤلفاته مجمع البحرين في اللغة والمنتخب في المقاتل والفخرية في الفقه وشرح المختصر النافع وجامع المقال في المشتركات من الرجال وغير ذلك وكان من أعبد أهل زمانه وأورعهم يروي عن شيخه محمد بن حسان المشرفي عن الشيخ البهائي ويروي عنه ابنه العالم صفي الدين والسيد هاشم البحراني والعلامة المجلسي ولقد أعقب ثلاثة أولاد علماء أعلام وعدد كبير من الأحفاد، كما ذكر ذلك فيمن ذكر القمي في الكنى والألقاب وما فقيدنا الغالي إلا أحد البارزين منهم ففيما ذكر عنه المترجمون والمؤرخون ما ذكره الدكتور الأميني في كتابه معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام. بأن فقيدنا الغالي كان أديباً فاضلاً محقق ولد في النجف ودرس على أبيه ودخل سلك التعليم والتربية واشتغل بالتأليف والتصنيف وله عدد من المؤلفات طبع منها كتاب في ابن سينا ، تفسير غريب القرآن ، تقديم لجامع المقال لفخر الدين آنف الذكر ، ديوان ابن كمونة وديوان الشيخ الإحسائي، وضوابط الأسماء واللواحق لفخر الدين المذكور ، وترجمة الكندي ومطارح النظر في شرح الباب الحادي عشر لصفي الدين الطريحي و... الخ.

    ويسكن مدينة الكوفة وله من البنين المحامي محمد جواد تولى القضاء أيضاً ، والأستاذ الصحفي محمد سعيد والأستاذ محمد رضا وفخر الدين ومحمد حسين ومحمد علي والشهيد محمد حسن، ومحمد مهدي ومحمد صادق ، منهم من له مؤلفات في مختلف العلوم والآداب ومنهم من الشباب المهذب الناهض مما دل ـ وإن لا يحتاج إلى دليل ـ على أن تربية الفقيد الغالي لأبنائه تربية بناءة وتوجيهه فأثمر في مختلف الميادين الثقافية والجهادية وإحياء التراث ومن ذلك إصدار ولده الأستاذ محمد سعيد المذكور مجلة الموسم وهي من أرقى المجلات الضخمة وفيما قلته بالمناسبة وأدرجته في ديواني الرابع (الغربة والمعاناة):

 

آل الطريحي التراث خدموا
منهم سعيد بن كاظم أتحفني
 

 

والعلم والآداب دون ملزم
مجلة فصلية تعرف بالموسم

 

 

    لقد كانت صلتي بهذه الأسرة العلمية الأدبية المجاهدة المجيدة أولها بالأستاذ عبد المولى الطريحي في النجف الأشرف ثم بالعلامة الشيخ كاتب والد فقيدنا الغالي في الكوفة منذ حوالي 40 سنة ثم بفقيدنا العزيز الأستاذ كاظم، وتوثقت الصلة في شرائي بيت مجاور له مطل على نهر الفرات وسكنا فيه وأحدى عائلتي فيه بضع سنين فكان الفقيد وأبوه من خيرة الجيران وكانت تلك السنين من أسعد سنين حياتي ثم كانت الفرقة التي قلبت سعادتنا جميعها إلى شقاء بما في ذلك ما وقع فينا من الجور والتشريد والغربة المرة هذه التي مازلنا فيها، وقد فقدنا فيها عدداً من وجوه الخير من العلماء والأدباء والأساتذة منهم فقيدنا هذا الذي عز علينا فقده فهو من وجوه محافظة لم يطرأ عليها التغيير المشين فقد قلت في ديواني الغربة والمعاناة:

 

عهدنا بالعراق وجوه خير
لقد عاثت بها الأحزان حتى

 

 

إذا هي في الشئآم على النقيض
أرتها ما يحب على النقيض

 

 

    لا ندري عسى الله أن يحدث بعد ذلك أمراً رغم يأس المصلحين المستقلين فإن الحال كما قلت في ديواني السادس الاتحاد:

 

أهل العراق خطيبهم منكود

 

 

تحسبهم أيقاض وهم رقود

 

 

    ختم الله للجميع بحسن العاقبة وتغمد الله الفقيد برحمته وأسكنه جنته والهم أهله وذويه وأصدقائه الصبر والسلوان فلقد أشجاهم فقده وعز عليهم كما عز ذلك على القريب والبعيد من المستفيدين من نتاجه العلمي والأدبي فقلت متألماً ومؤرخاً:

عز على التعليم والجهاد والـ
في غربة نائية نادى أرخوا

 

 

ـتراث فقد مفكر تصحيحي
(فقدي بها كاظم الطريحي)
194  +  8   +   961   +   260 = 1423

   

هذا وإنا لله وإنا إليه راجعون والسلام عليكم.

 ذكرى العلامة الشيخ محمد كاظم الطريحي..