ذكرى أربعينية المحقق والباحث المرحوم الشيخ محمد كاظم الطريحي


                                                                                                                                                                                                 
  بقلم .. سمير عبيد

  
 ياله من زمن تعيس ، وياله من مختبر ، ويالها من محنه ، يتساقط عظماء شعبنا وبلدنا واحدا تلو الاخر ، ونحن نودعهم بجنائز خجوله ، مشتته، لا طعم لها حيث لا نحيب الاحبه ولا عويل نساء الاقارب والمحله ، يتساقط عظماء شعبنا ونحن نتفرج لا حول لنا ولا قوه، لقد رحل الجواهري ، ومصطفى جمال الدين، وهاني الفكيكي ، والصراف ، والبياتي، وطالب السهيل ،وزينب ،وكمال السيد ، وغيرهم ، واخيرا رحل الشيخ والباحث والمحقق ( محمد كاظم الطريحي) رحمهم الله جميعا

     لقد عاشوا مشردين بين بيروت واوربا والشام من جور الحكومات التي تعاقبت على العراق ، ومن ثم هاجروا نتيجة سياسة الحقد والعبث العفلقي ، هاجروا ليكونوا شجيرات متناثره في ارجاء هذه المعموره ، لا يجمعهم مع بعض او يجمعنا معهم الا تليفون بسيط وخجول بفترات متباعده، وتقاطروا امواتا بجنائز حزينه الى ارض الشام ، وكانهم يعيدوا سبي ذرية الحسين عليه السلام ، ومسيرة ارسال راسه الشريف الى الشام

     لقد دفنوا في ارض الشام ليعلنوا وحدة الدم التي منعها السياسيون المخصيون ، ليناموا قرب مرقد السيده زينب عليها السلام ، ترعاهم لانها زعيمة الغرباء ،اي تراجيديا سوداء هذه التي نراها؟ واي محنه هذه التي تتجسدعلى رؤوسنا يوم بعد يوم؟

    ان عملية الموت لا اعتراض عليها ، وكلنا معرضون لها وفي اية لحظه ، ولكن الالم هو لماذا يتساقط شرف بلدنا من مفكرين وكتاب ومحققين وعلماء ومهندسين وقاده عسكرين وسياسيين ، ويبقى العار والنشاز يتفنن بقتل اهلنا ويتفنن بتبديد ثروات شعبنا؟
    لقد عرفت المرحوم الطريحي منذ ان اول فهمي للحياة ، وذلك من خلال ولا دتي في نفس المدينه ، ومن خلال مدرستي المتوسطه التي اذهب لها مرورا على بيت الطريحي ، فعملية يومية ان لم ارى الطريحي سوف ارى احد انجاله او ذويه ، ومن ثم عائلة الطريحي  معروفه من خلال باعها في العلم والفقه والقضاء ، ومن خلال عمليات عقود الزواج التي تدور في بيتهم ومن لا يعرف ( بيت الحاج كاتب الطريحي ) واغلب امهاتنا في الفرات الاوسط لهن شرف توقيع هذا العقد من القران ، واغلبنا في الفرات الاوسط ولدنا نتيجة موافقة ومباركة هذه العائلة التي وافقت على الزيجه ،فنحن اذن مرتبطون مع هذه العائلة باكثر من معنى وباكثر من خط

     لقد كان بيت الطريحي يحتوي على مكتبه قل نظيرها في المنطقه واحتمال العراق كله ، لانها احتوت على انفس المخطوطات واثمن الكتب ، وفيها مختلف اللغات ، وكانت مزارا للباحثين ، ولم يبخل المرحوم الطريحي على باحث او متابع ، بل كان يمدهم بالعون وحتى الاستضافه في تلك المكتبه العامره ، التي احرقتها ايادي الاوباش من مجاميع الحرس الجمهوري والامن الخاص ، في عام 1991 عندما دخلوا للقضاء على ( انتفاضة شعبان اذار 1991) لقد احرقوها باوامر من طه ياسين رمضان ، والمقبور عبد الرحمن الدوري ، لقد كانت فاجعه حقيقية لكل باحث ومفكر ومتابع ليس في منطقة الفرات فحسب بل في جميع انحاء العراق

     لقد قال عنها السيد ( حسن بحر العلوم رحمه الله) : ((لقد غصصت وجرحت في القلب- لقد ذهب شرف الفكر والبحث ، لقد خسرنا البيت العتيق والفكر العتيق الجديد ))  قالها وانا كنت حاضرا في مسجد الكوفه ، وهذه ليس النكبه الاولى بل توالت النكبات منذ ( اعدام نجل الطريحي ) وتشريد نجليه الاخرين الى ايران وسوريا

     لقد صمد ولكنه رحل الى الشام مريضا مكسور الخاطر لمن يعرفه ، وقوي الشكيمه امام الغرباء، لقد زرته في الشام عام 1995 ، فوجدنه مريضا متعبا ، وتوسلت له ان اتحرك على اوساط سياسية وبحثية وحتى منظمات شبه حكومية في اوربا ، فرفض وقال انا ساعود الى العراق قريبا لا تخف ، وهنا في الشام سعيدا لاني استنشق هواء العراق ، وارى الناس ، لا تاخذوني الى اوربا وتقتلوني ، وحينها شكى لي من احد الكتاب المعروفين الان ، كيف كان يبتزه لاجل ان ياخذ من عصارة فكره ، وكيف كان هذا الكاتب جشعا وبخيلا علما انه يمتلك الجاه والماده في حينها

     وكان الطريحي يعيش عيشه صعبه في الشام ، لكنه ابى ان يمد يده الى جهة او دوله او شخص ، ومن يريد ان يعرف المزيد عليه ان يعرف صولات الطريحي البحثية والعلمية منذ ( مؤتمر ابن سينا في طهران) في الستينات ، ويعرف علاقته مع الزعيم المرحوم ( عبد الكريم قاسم) والسياسيين العرب جميعا، اتذكر يوم مد يده بين الكتب والوراق المنتشره في غرفته واعطاني ( ملف اخضر ) فيه رؤوس اقلام عن ( الحوار المسيحي الاسلامي) وقال خذه استفد منه وتابعه لانك في اوربا واقرب مني لهم ، واقسم بالله لم ارى متواضعا في حياتي مثل المرحوم ( محمد كاظم الطريحي) لقد كان يسميني استاذي وانا اخجل منه ، وكان يسميني انت نظري ارى فيك شبابي ، حينها قلت له ( سيدي واستاذي اذا تخاطبني هكذا سوف لا اتصل بك ، لانك انت الاستاذ وانت السيد وانت الاخ والاب، واقسم لم يواقف وبقى يناديني ( انا خادمكم الصغير جميعا ) اي تواضع هذا؟ ) رحمه الله واسكنه فسيح جناته

     واعرج انه كان يقول هذا لا متخاذلا ، بل كان قويا ، ومعتمدا على الارث النجفي بالتواضع والكلمه الطيبة ، وانه لم يقصد ( خادم) انه يطبخ وينفخ ، لا خادم للاجيال وخادم للكلمه والحقيقة ، حينها عدت وبذلت جهودي في اوربا ، وكتبوا عنه في الشرق الاسط وفي صحف المعارضه العراقية ، ووجهنا رسالة لم يعلم بها هو ، ولا حتى عائلته ( اعترف بها لاول مره) وجهناها الى المرحوم الرئيس ( حافظ الاسد) نناشده العناية بالشيخ الطريحي وباسرته ، واعطينا نبذه عن تاريخ الطريحي وعائلته ، وكتب عنه الاستاذ الدكتور والصديق العزيز ( جليل العطية ) باتصال مني ، وكان سعيدا لانه استفسر مني عنه واوجزته في حينها بظروف الشيخ الطريحي ، وبقينا على اتصال ، حتى جاء الى ( الدنمارك) متعبا ، ولم يبقى طويلا حسب قوله ( ساموت اذا اخذتوني الى اوربا)

وتوفى المرحوم الطريحي / ودفن في سوريا جنب احبائه الشعراء والكتاب والذين هم جميعا برعاية الحوراء زينب عليها السلام ، ومن هنا نقول لروحه الطاهره ، ان ثارك من النظام الذي فجعك باولادك وبكتبك ومكتبتك سوف ناخذه نحن ان شاء الله ، والفاتحه الى روحك الطاهره 000وانها درس الى الجميع ان يتلاحموا وان يكثروا من العمل لمصلحة وطنهم وشعبهم ومستقبل اجيالهم كما فعل الطريحي رحمه الله ...

ذكرى العلامة الشيخ محمد كاظم الطريحي