إجازة فخامة الرئيس الأرياني

 
 

بِسم الله الرَّحمن الرَّحيم

 

الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسَّلام على سيد المرسلين وعلى آله الطاهرين وصحابته الراشدين..

وبعد.. فقد طلب مني الأخ العالم الباحث الأستاذ محمد سعيد الطريحي العراقي الشيعي، تولَّى الله مكافأته وتوفيقه أن أجيزه في رواية ما تجوز لي روايته فقلت له: إني لم أروِ أو أقرأ شيئاً من كتب إخواننا الشيعة سوى مجموعة الفقه الكبير للإمام زيد بن علي بن الحسين بن علي عليهم السلام برواية أبي خالد عمرو بن خالد الواسطي القرشي الهاشمي بالولاء، وليس من مرويات علماء الشيعة الإمامية. ولكنَّه أكَّد وبإلحاح طلب الإجازة في ما أرويه، وقد لمست من المذاكرة معه أنه من إخواننا الشيعة المنفتحين على سائر المذاهب وممن يرون وجوب التقريب بينها مادام أنَّ

وكلهم من رسول الله ملتمس     غرفاً من البحر أو رشفاً من الديم

كما كان العلامة عبد الرحمن الخيِّر رحمه الله.

وقد استجبت لحسن ظنه وإن كان يصدق عليَّ قول الأول:

           ولستُ بأهلٍ أَنْ أُجَازَ فكيف أَنْ

                                  أُجِيزَ؟ ولكنَّ الحقائقَ قد تخفى

وأتذكَّر أنَّ والدي رحمه الله قد استشهد بهذا البيت في ثنايا إجازته لي وهو الحافظ المجتهد. فكيف بي وأنا ذو تحصيلٍ نَزْرٍ وبضاعة مزجاة.

وقبل وبعد فإن مما لا يخفى أن الإجازة من أقسام الأخذ والتحمُّل قال العلامة القاضي أبو الوليد الباجي رحمه الله: «لا خلاف في جواز الرواية بالإجازة بين سلف هذه الأمة وخلفها، ومن هنا كان المعتبر عند أهل الحديث أن اتصال السند مع عدم سقوط ـ أي انقطاع ـ فيه يحصل ولو بالإجازة فينال بذلك المستجيز جواز الرواية ومزيَّة الانتظام في سلك السلسلة وفضيلة الامتثال لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا كتبتم الحديث فاكتبوه بإسناده»، أخرجه الديلمي في مسند الفردوس عن علي عليه السلام، وأورده السيوطي في الجامع الصغير الذي قال في خطبته نزهته عن وضَّاع وكذَّاب.وقد نصَّ الأئمة على أن من خصائص هذه الأمة المحمدية المشهود لها بالخيرية على الأمم بقاء سلسلة الإسناد المتَّصل بالإجازة، فشان الإسناد نطير وقدره عظيم، قال سفيان الثوري رحمه الله: الإسناد قربة من الله تعالى. وقال عبد الله بن المبارك رحمه الله: الإسناد من الدين لولا الإسناد لقال من شاء ماشاء.

وكلام العلماء في ذلك كثير، ولذلك أقول:

أجزتُ الأخ الأستاذ محمد سعيد الطريحي جميع ما تجوز لي روايته من العلوم من التفسير والحديث والأصول والفروع وعلوم العربية والآثار والأذكار كما أجازني والدي العلامة الحافظ المجتهد القاضي يحيى بن محمد بن عبد الله الإرياني رحمه الله وهو يروي قراءة وإجازة عن والده العلامة محمد بن عبد الله وعمَّيه العلامتين حسين بن عبد الله وعلي بن عبد الله كما أجازهم مشائخهم، وقد انفرد الأول بالرواية عن العلامة أحمد بن علي الطَّشي رحمه الله، وثلاثتهم عن والدهم القاضي العلامة عبد الله بن علي الإرياني وكلاهما عن خاتمة المحققين في اليمن الحافظ المجتهد شيخ الإسلام القاضي محمد بن علي الشوكاني رحمه الله.

فيما حواه مجموع أسانيده «إتحاف الأكابر في إسناد الدفاتر»وبالإحالة على هذا الكتاب الجامع لكل ما أخذه ورواه العلامة الشوكاني رحمه الله نستغني عن ذكر سلاسل الرواة والمشايخ الآخرين.

وأذكر طريقة أخرى في الرواية عن والدي رحمه الله عن شيخه العلامة يحيى بن محسن العنسي الذماري رحمه الله، وهو يروي عن العلامة عبد الله بن عبد الله بن سعيد عن والده عبد الله ابن سعيد عن العلامة حسين بن عبد الله الأكوع عن شيخه سعيد بن حسن عن السيد العلامة المجتهد الحافظ محمد بن إسماعيل الأمير مؤلف «سبل السلام» و «منحة الغفار» وغيرهما من المؤلفات القيِّمة وعن شيوخ المذهب الزيدي الثلاثة الحسن بن أحمد الشيببي وعبد الله بن حسين دُلامَة وعلي بن أحمد الشجني رحمهم الله جميعاً. وقد رويت قراءة عن السيد العلامة عبد الخالق بن حسين الأمير والسَّيد العلامة الزّاهد أحمد الكبسي والعلامة القاضي أحمد بن حسين العمري والعلامة حسين الواسعي والعلامة علي بن محمد فضة والعلامة القاضي عبد الله السرجي والعلامة لطف الفسيل والعلامة المعمَّر اسماعيل الريمي رحمهم الله وأكرم نزلهم وغيرهم ممن يكثر تعدادهم وبرفع سند الرواية إلى كتاب «اتحاف الأكابر» للعلامة الشوكاني رحمه الله تعالى نستغني عن ذكر حديث واحد مسلسل السند. وأختم هذه الإجازة بذكر أبيات للوالد رحمه الله، ذيَّل بها إجازته لي وكردٍ على قصيدتي المرفوعة إليه رحمه الله في طلب الإجازة قال:

 

طلبتَ ـ فدتكَ النفسُ ـ مني إجازة   
ومَعْ حُسْنِ ظَنٍّ منك أسعفتُ قائلاً، 
أجزتُكَ يانجلي إجازة والدٍ          
وأوصي بتقوى الله سراً وجهرة    
وما صحَّ عن خير البرية فاتبع      
فخف واتَّبع وابحث ودع كلَّ بدعةٍ 
وإني أرى التقليد أعظم بدعةٍ       
نصحتك علماً بالهوى ثمَّ لا أرى    
وأرجو دعاءً في حياتي وبعدها       
وأن يحسن المولى الختام فإنه      
وصلّ على خير الأنام مسلماً        

 

 

وما نَهَلٌ لي في العلوم ولا عَلُّ
وإن كنت مشغولاً وقد عاقني الشغلُ
ويا حبذا أن يقفوَ الوالدَ النجلُ
وتركٍ لتقليد الرجال وإن جلّوا
فياربَّ تقليدٍ يكون لمَنْ ضلّوا
فكل كثيرٍ من سوى سُنًّةٍ قِلُّ
«فما اختاره مضنى به وله عقل»
فخالفتي، فاختر لنفسك مايحلو
فذنبي عظيم لا يطاق له حملُ
لأكرمُ مسؤولٍ به يُرتجى السُّؤل
مع الآل والأصحاب ماهمل الوبلُ

 

 

وهذه هي نصيحتي ووصيتي للأخ الأستاذ محمد الطريحي أسعده الله تعالى ووفقه إلى ما يحبه ويرضاه، وصلى الله على سيدنا محمد الأمين وآله الطاهرين وصحابته الراشدين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وسبحان الله بحمده سبحان الله العظيم.

 

حرر في دمشق

في خامس عشر من شهر ربيع الآخر سنة 1408 هجرية

الموافق 6/12/ 1987م

عبد الرحمن بن يحيى الإرياني تجاوز الله عنه